وجد الخادمه ع كرسيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كانت منورة في الضلمة زي الذهب.
افتكر زمان أول ما بدأ حياته، لما كان بيطحن نفسه ومبينامش عشان يعمل قرش، وافتكر إزاي لما الدنيا أعطته وفتحت في وشها، نسى شكل التعب ونسى طعم الحوجة، لدرجة إنه بقى يشوف الناس مجرد تروس في مكنة بتجيبله فلوس.
حط إيده في جيبه وطلع السبحة الخشب القديمة اللي كان واخدها من والده الله يرحمه، ومبقاش يمسكها من زمان. بدأ يسبّح ويستغفر ربنا وهو باصص للسما، وحس بإن صدره انشرح والدنيا صغرت في عينه.
لم عزلته وقفل النور، وقبل ما يقفل باب المكتب، بص للكرسي الجلد الكبير.. ابتسم لأول مرة من قلبه وخرج، وهو عارف إن الليلة دي مكنتش مجرد ليلة عادية، دي كانت الليلة اللي ربنا أنقذه فيها من الغرور ببركة دعوة ست غلبانة سجدت وشكرت ربنا في جوف الليل.
يوم الأحد الصبح، الساعة كانت تمنية ونص.
الشركة بدأت تملى بالموظفين، والحركة رجعت تدب في الممرات. بس الأجواء في الدور ال 38 كانت مشحونة بقلق غريب. حازم مدير الموارد البشرية كان واقف قدام باب مكتب طارق بيه والورق في إيده بيرتعش، وجنبه ممدوح مشرف شركة النظافة، راجل منفوخ على الفاضي، واقِف يعدل في جاكتته ومفتكر إن طارق بيه طالبه عشان يرقيه أو يشتكيله من حد.
في نفس اللحظة، الأسانسير فتح وخرجت منه رضوى. كانت لابسة عباية نظيفة ومحتشمة، ووشها غسلان ومرتاح، بس عينيها كانت بتلف في المكان بخوف وقلق من المجهول. أول ما ممدوح شافها، برّق لها ووشه قلب ألوان، وراح عليها يوشوشها بغل إنتي إيه اللي جابك هنا يا بت؟ مش قولتلك لو ورّيتيني وشك تاني هقطع عيشك؟
رضوى رجعت خطوة لورا وسكتت، بس قبل ما ممدوح يكمل كلامه، باب مكتب طارق اتفتح.
طارق خرج، بكامل هيبته وبدلته الشيك. بصلهم
بنظرة واحدة خلت ممدوح يبلع لسانه في ثانية. طارق شاور لرضوى وقال بصوت مسموع للدور كله اتفضلي يا أستاذة رضوى، نورتي شركتك.
دخلوا المكتب. طارق قعد ورا مكتبه، وحازم وممدوح واقفين، ورضوى واقِفة وراهم بكسوف.
طارق بص لممدوح وقال ببرود يرعب إنت ممدوح؟ المشرف اللي بيشغّل الناس تمنتاشر ساعة وبيهددهم بقطع العيش لو تعبوا؟
ممدوح اتهزهز وبدأ يتلعثم يا طارق بيه.. الشغل شغل، والناس دي لو رخيت معاهم ومستكتهمش بإيدك مش هيشتغلوا، وأنا بعمل كدة لمصلحة الشغل ول...
طارق خبط بإيده على المكتب خبطة واحدة هزت الأوضة مصلحة الشغل مبتتبنيش على قهر الناس وظلمهم! اللقَمة اللي بتيجي من عرق ودموع الغلابة دي مفيهاش بركة.. وإحنا هنا بنخاف ربنا في أكل عيشنا.
بص لحازم وكمل كلامه بلهجة قاطعة حازم.. العقد بتاع شركة النظافة يتلغي فوراً من النهارده ويتحملوا الشروط الجزائية. وكل العمال اللي تبعهم في مبنى الإدارة ينقلوا على قوتنا بعقود تثبيت، ومرتباتهم تترفع للضعف عشان يعيشوا عيشة كريمة.
ممدوح وشه جاب مية حمرة ومية بيضة، وعرف إن سبوبته وطغيانه انتهوا. طارق شاورله اتفضل برة.. ومبني الشناوي جروب كله متتبتش فيه رجلك تاني.
خرج ممدوح يجر أذيال الخيبة، والتفت طارق لرضوى اللي كانت واقفة وعينيها مليانة دموع مش مصدقة اللي بيحصل. طارق ابتسم وقالها ألف مبروك يا أستاذة رضوى.. من النهارده إنتي المشرفة المسؤولة عن دور الإدارة هنا، وتعيينك مباشر من الشركة. والمكتب ده مكتبك، والكرسي ده لو تعبتي في أي وقت.. اقعدي عليه وإنتي راسك في السما.
رضوى ملقيتش كلام تقوله من كتر الفرحة والجبر، نزلت على ركبها وسجدت لله سجدة شكر طويلة على أرض المكتب، دموعها نزلت على
السجاد وهي بتقول الحمد لله.. الحمد لله يا رب يا جابر الخواطر.
طارق وهو باصص ليها وهي ساجدة لربنا، حس برعشة في قلبه وبراحة نفسية وعمق حقيقي لعمره ما عاشه قبل كدة. عرف إن الثروة الحقيقية مش في حسابات البنوك، الثروة الحقيقية هي إن ربنا يستعملك عشان تقيم العدل وتكون سبب في فرحة بني آدم غلبان.
ومن اليوم ده، اتغيرت شركة الشناوي.. واتغير طارق، وبقى الكرسي الكبير اللي كان رمز للسطوة والغرور، شاهد على أعظم درس في الرحمة والإنسانية.
عدت الأيام والشهور، وبقت شركة الشناوي جروب مكان تاني خالص. البركة اللي حلت في المكان بسبب دعوات الغلابة والعدل اللي اتطبق بقت واضحة للكل. الأرباح زادت، والموظفين بقوا بيشتغلوا بضمير وحب، لأنهم حسوا إن ليهم ضهر بيحميهم ويخاف عليهم.
وفي يوم من الأيام، كان في اجتماع مجلس إدارة كبير جداً في الدور ال 38. المكتب كان مليان رجال أعمال ومستثمرين من برة مصر، والكل قاعد على أعصابه بيناقشوا صفقة هتنقل الشركة لنقلة تانية خالص. طارق كان قاعد على رأس التربيزة، بيدير الاجتماع بكل هدوء وثقة.
وفجأة، الباب خبط ودخلت رضوى. كانت شايلة صينية عليها القهوة والشاي للضيوف. طبعاً مكنش ده شغلها الأساسي لأنها بقت مشرفة، بس هي كانت بتحب دايماً تخدم طارق بيه بنفسها كنوع من رد الجميل.
وهي بتلف بالصينية، رجلها اتعبلت في طرف السجادة، وفقدت توازنها. الصينية اتقلبت، والقهوة اتدلقت كلها على الكرسي الجلد الفخم بتاع طارق.. الكرسي المقدس اللي بدأت عنده الحكاية كلها.
المكان كله سكت سكوت رهيب. رجال الأعمال بَصوا لبعض وبصوا لطارق، ومستنيين يشوفوا رد فعل المليونير اللي معروف عنه إنه مبيستحملش الغلطة. رضوى وشها اتخطف، والدم
هرب من عروقها، ووقفت ترتعش وهي بتبص للكرسي اللي غرق قهوة.
افتكرت في ثانية ممدوح، وافتكرت أيام القهر، وخافت ليكون طارق بيه يغير رأيه أو يزعل من منظر الكرسي قدام الضيوف الأجانب. وبدأت تعتذر بصوت مخنوق بالدموع أنا آسفة يا طارق بيه.. والله العظيم ما كان قصدي.. أنا هجيب حاجة وأنظفه حالا.. أنا..
طارق بصلها، وبص للكرسي، والضيوف كلهم مستنيين الانفجار.
لكن طارق ابتسم ابتسامة هادية جداً ووقف من مكانه. سحب منديل من على المكتب، ومسكه بنفسه وبدأ يمسح القهوة من على الكرسي، وبص لرضوى وقالها بنبرة كلها حنية وأخوة فداكي يا أم أحمد.. ولا يهمك خالص، حصل خير. أهم حاجة إنك إنتي كويسة ومفيش حاجة سخنة جت على إيدك؟
رضوى هزت راسها وهي مش مصدقة، ودموع الفرحة والراحة نزلت من عينيها. طارق التفت لرجال الأعمال اللي قاعدين مبهورين من رد فعله، وقالهم باللغة الإنجليزية بكل فخر الست دي هي البركة بتاعة المكان هنا.. والكرسي ده مجرد حتة جلد، يروح وييجي، لكن كرامة وسلامة الناس اللي شغالين معايا هي اللي متتعوضش بمال الدنيا.
واحد من أكبر المستثمرين الأجانب وقف وسقف لطارق، وقالوا أنا دلوقتي بس عرفت ليه شركتكم بتنجح بالسرعة دي.. إنت مش بتدير بيزنس، إنت بتدير قلوب.
رضوى خرجت من الأوضة وهي رافعة راسها، ولسانها مبيبطش دعاء لطارق إن ربنا يكرمه ويفتحها عليه. وطارق رجع قعد على كرسيه، وهو حاسس إن طعم القهوة اللي اتدلقت عليه دي بقت أجمل حاجة في المكتب، لأنها فكرته تاني وتالت.. إن الرحمة فوق الشغل، وإن جبر الخواطر هو التجارة الحقيقية اللي عمرها ما تخسر مع ربنا.
ومرت السنين، وبقت الحكاية دي زي الأسطورة اللي بتتناقلها الأجيال في الشركة. كل موظف جديد
كان بيتعين، كانوا أول حاجة
تم نسخ الرابط