شقي عمري راح حكايات صافي هاني
زي ما خرجت من بيت حماتي وإيدي ورا وإيدي قدام، حمايا سلمني كيس بلاستيك أسود وقال لي ارمي ده في طريقك وأنتِ ماشية. بس أول ما فتحته عند البوابة... إيدي بدأت تترعش.
جوازي انتهى بعد خمس سنين.
من غير عيال.
من غير تحويشة عمر.
من غير أي حاجة مكتوبة باسمي.
ولا حتى كلمة واحدة تترجاني أقعد.
البيت اللي حاولت في يوم من الأيام أقول عليه بيتي، كان واقف في هدوء في شارع في المعادي الحتة اللي نقلت ليها من المنصورة، وأنا فاكرة إني ببني مستقبلي مع جوزي.
في اليوم ده، وأنا بخطي برة البوابة الحديد، شمس الصيف كانت حامية وبتحرق في الحوش.
بس جوايا... كنت حاسة بفراغ رهيب.
حماتي، الحاجة فادية، كانت واقفة ومربعة إيديها، وبتبص عليّ بامتساق وشماتة هادية، وكأنها أخيرًا خلصت من حد ما كانتش عايزاه من الأول.
وجنبها، أخت جوزي بسمة، كانت مبتسمة نفس الابتسامة الصفرا اللي بتبتسمها لما تعرف إني متألمة.
قالت من تحت ضرسها امشي بقى، قعدتي أكتر من اللازم.
طارق جوزي، واللي بقى دلوقتي طليقي ما رِضيش يخرج أصلاً.
ولا كلمة وداع.
ولا أي مبرر.
يمكن كان جوة بيعمل نفسه مش مهتم.
أو يمكن ببساطة ما كانش فارق معاه يواجهني.
في الحالتين... الموضوع انتهى.
ما طلبتش أي حاجة.
ولا خناق.
ولا دموع.
ولا كلمات أخيرة.
بس الهدوم اللي عليّ وشُنطة إيد صغيرة.
قلت بهدوء أنا ماشية.
محدش رد.
اتجهت ناحية البوابة.
بس أول ما وصلت عندها، في صوت وقفني.
نهى.
التفتّ.
كان حمايا الحاج أحمد.
في خلال خمس سنين، كان يادوب بيكلمني. دايماً في حاله وساكت. يقعد في البلكونة مع الجرنان بتاعه أو وهو بيسقي الزرع، وكأن المشاكل والنكد اللي في البيت مالهوش دعوة بيهم.
كان واقف
قال براحة وهو بيتكلم بما إنك ماشية، خدي ده في إيدك ارميه وأنتِ معدية.
رفعه لفوق شوية وقال شوية كراكيب وزبالة.
ترددت، وبعدين هزيت راسي حاضر.
مسكت الكيس... كان خفيف بشكل غريب.
هزيت راسي ليه احتراما للمرة الأخيرة. رد عليّ بنفس الملامح الباردة من غير ما يقول كلمة زيادة.
وبعدين خرجت.
قفلت البوابة ورايا، وصوت حديدها وهو بيترزع كان عامل زي الفصل الأخير من كل حاجة حاولت أتمسك بيها لمدة خمس سنين.
مشيت في الشارع عديت من جنب البيوت المتلونة، ومن جنب كلب نايم تحت الشجرة، وصوت مزيكا جاي من بعيد.
الدنيا كانت ماشية وبتتحرك.
حياتي أنا بس اللي كانت لسه مهدودة.
قلت لنفسي ما ابصش ورايا.
ما افتكرش السكوت.
ولا النظرات الباردة.
ولا الكلام اللي بيتقال تحت السطر عشان يجرح.
بس بعد كام خطوة... حسيت بحاجة غريبة.
بصيت تحت في الكيس.
خفيف أوي.
الهوا الناشف طير شوية تراب في الشارع.
ومن غير تفكير، فتحت الكيس.
ما كانش فيه زبالة جوة.
بدل الزبالة، كان فيه ظرف بني ملفوف ومتغطي بكيس شفاف قفل عليه كويس.
إيدي بدأت تترعش وأنا بطلعه.
فتحت الظرف.
وفي اللحظة اللي شفت فيها اللي جوة...
كل حاجة اتقلبت.
عشان الراجل اللي يادوب نطق معايا بكلمة في خمس سنين...
كان لسه مديني حاجة قوية كفاية إنها تهد كل اللي أهله افتكروا إنهم سرقوه مني...
جوة الظرف البني، لقيت عقد بيع وشراء نهائي وصحيح ومُسجل، ومعه شيك بمبلغ خيالي باسمي أنا.
العقد كان لبيت تاني خالص مكتوب باسمي من سنة فاتوا، والشيك كان مكتوب عليه حقك اللي تعبتي فيه، ومؤخرك اللي مش هيعرفوا يسرقوه.. ومعاهم ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيده
في اللحظة دي، دموعي اللي حبستها خمس سنين نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر... كانت دموع نصر. وبصيت ورايا للمرة الأخيرة لبيتهم، وأنا عارفة إن اللعبة الحقيقية يلا هتبدأ، وإن حقي رجع لي وتالت ومتلت.
مشيت في الشارع وخطواتي اللي كانت تقيلة وكسيرة، فجأة بقت ثابتة وقوية. دموعي نشفت وجسمي بطل يرعش. حطيت الظرف جوة شنطة إيدي وقفلت عليها كويس، وكأني بقفل على عمري الجديد اللي لسه هيبدأ.
عدى شهرين.
في الشهرين دول، ما قعدتش حاطة إيدي على خدي. بالفلوس اللي في الشيك، أجرت شقة قريبة من شغلي الجديد، وبدأت أظبط العقد بتاع البيت التاني اللي الحاج أحمد كتبه باسمي. عرفت من محامي ثقة إن البيت ده كان ملكه هو شخصياً، مش ورث ولا ملك حد من عيلته، يعني مفيش مخلوق يقدر يطعن في العقد أو يشاركني فيه.
وفي يوم، التليفون رن.
كان رقم غريب، بس أول ما فتحت عرفت الصوت علطول... دي كانت بسمة، أخت طارق.
صوتها ما كانش فيه النبرة الشمتانة بتاعة زمان، بالعكس، كانت بتتكلم وهي هيمانة وبتنهج، وصوتها مليان غل وخوف أنتِ فين يا نهى؟ أنتِ عملتي إيه في أبويا؟
رديت بكل برود خير يا بسمة؟ في حاجة؟
زعقت في التليفون حاجة؟ أبويا كتب لك البيت الصغير اللي في العباسية! وطارق قالب الدنيا، وأمي جايلها جلطة ومش مصدقة إن الحاج ضحك علينا كل السنين دي وفضل ساكت لحد ما مشيتي عشان يكتب لك كل ده! طارق بيقولك رجعي الحاجة بالذوق بدل ما نقلبها محاكم!
أنا ما قدرتش أمسك نفسي من الضحك. ضحكت من قلبي، ضحكة سمعت الشارع كله.
قلت لها أعلى ما في خيلكم اركبوه يا بسمة. المحاكم اللي بتهددي بيها دي أنا اللي هجرجركم فيها، عشان العقد اللي في إيدي سليم ومسجل، والشيك اتصرف وبقى في البنك. وقولي لطارق وأمك.. الحلال مابيروحش، وأبوكم اتقى الله فيّ لما أنتوا نهشتوا في لحمي.
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة.
بصيت من شباك شقتي الجديدة على الشارع، وحسيت بنسمة هوا باردة بتغسل كل الوجع اللي عشته في الخمس سنين اللي فاتوا. الحاج أحمد ما كانش بس راجل طيب، ده كان العدالة اللي ربنا بعتها لي في الوقت المناسب، عشان يثبت لي إن الساكت مش دايماً ضعيف، وساعات السكوت بيكون هو الهدوء اللي قبل العاصفة اللي بتهد الظلم من جذوره.
بعد المكالمة دي ب 48 ساعة بس، لقيت جرس الباب بيرن.
فتحت وكنت متوقعة أشوف أي حد من عيلتهم جاي يتخانق، بس الصدمة إن اللي كان واقف قدامي هو طارق... طليقي.
منظر طارق كان يصعب على الكافر؛ وشه شاحب، هدومه مش مظبوطة، والنظرة المتكبرة اللي كانت في عينه وهو سيبني أخرج من بيته اختفت تماماً وحل مكانها انكسار غريب.
وقف يبص لي ومبقاش عارف يقول إيه، لحد ما نطق بصوت مرعش نهى... أنا طالب سماحك.
ضحكت بسخرية وقلت له وأنا واقفة على الباب ومستخسرة أدخله سماح إيه يا طارق؟ جاي تطلب السماح بعد ما رميتني برة بيتك وإيدي فاضية؟ ولا جاي عشان البيت والشيك اللي أبوك ادهملي؟
طارق نزل راسه الأرض وقال والله العظيم ما كنت أعرف إن أبويا هيعمل كده، ولا كنت أعرف إنه شايل لك كل ده. البيت ده كان هو الأمل الوحيد اللي فاضل لنا عشان نسدد ديون المحل اللي خسر، وأمي تعبانة في المستشفى من ساعتها... أرجوكي يا نهى، اعتبريه قرض وهنردهولك، بس رجعي لنا البيت.
في اللحظة دي افتكرت كل ليلة نمت فيها معيطة، وافتكرت أخته وهي بتقولي امشي قعدتي