شقي عمري راح حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

إن ولاده وأمهم مش هيسيبوكي في حالك، وكان عارف إنهم هيصرفوا كل مليم في الديون والمحاكم. هو ساب البيت والشيك الأولانيين عشان تقفي على رجلك فوراً.. لكنه ساب الوصية دي عشان يأمن مستقبلك بالكامل.
فتحت الظرف، ولقيت المفاجأة اللي ما تخطرش على بال بشر...
الحاج أحمد كان كاتب لي حق ركبة وإدارة كاملة لقطعة أرض مساحتها كبيرة جداً على طريق السويس، الأرض دي كانت زراعية واتحولت لمباني، وقيمتها تساوي ملايين الملايين! وكان كاتب في الوصية الأرض دي لنهى بنتي، لا تُباع ولا تُورث لغيرها، وهي المسؤولة عن ريعها، وإذا طارق أو أمه أو أخته احتاجوا لقمة العيش، نهى هي اللي تصرف عليهم بالعدل اللي تشوفه، لأنهم سفهاء ومش بتوع شقى.
يعني بالبلدي كده... الحاج أحمد حط رقبة عيلته كلها تحت إيدي أنا! خلاني أنا المتحكمة في مصيرهم، مش من باب الانتقام، لكن لأنه كان عارف إنهم هيضيعوا، وإن طارق طليقي ما عندوش حكمة يدير بيها حتى حياته الشخصية.
المحامي بص لي وقال طارق وعيلته عرفوا بالوصية دي امبارح يا فندم، وهما برا دلوقتي في صالة الانتظار، مستنيين يشوفوا هتعملي معاهم إيه.. لأن البنك هيحجز على شقتهم القديمة خلال أسبوع لو ما تدفعش باقي ديون المحل.
قعدت على الكرسي وأنا حاسة بنفحة رضا وسكينة غريبة. بصيت من شباك المكتب على زحمة الشارع، واشتميت ريحة الهوا.. افتكرت كيس الزبالة الأسود تاني.. واكتشفت إن الدنيا دي عجيبة أوي؛ يوم تدوس عليك ويوم تخليك واقف والكل مستني كلمتك.
قلت للمحامي بهدوء خليهم يدخلوا يا المتر.
الباب انفتح، ودخل طارق وبسمة ومعاهم الحاجة فادية على كرسي متحرك.
منظرهم كان يقطع القلب، الكبرياء المزيف
اللي عاشوا بيه سنين اتمسح تماماً. طارق كان باصص في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عيني، وبسمة واقفة ورا الكرسي بتعيط في صمت، والحاجة فادية أول ما شافتني شفايفها اترعشت ودموعها نزلت على وشها المجهد.
المحامي سابنا وخرج وقفل الباب وراه عشان ناخد راحتنا.
ساد السكوت في الأوضة لكام لحظة، لحد ما طارق نطق بصوت مخنوق نهى.. إحنا ملناش عين نبص لك، وعارفين إننا ظلمناكي وجينا عليكي كتير. بس إحنا دلوقتي في الشارع.. الشقة اللي حيلتنا البنك هيحجز عليها، وأمي زي ما أنتِ شاهرة مريضة ومحتاجة علاج.. إحنا تحت رحمتك ورحمة وصية أبويا.
الحاجة فادية شاورت لي بإيدها المترعشة وقالت بصوت ضعيف بالعافية بيطلع سامحيني يا بنتي.. حقك عليّ.. ربنا عاقبني ووراني ذلي في الدنيا قبل الآخرة. ما ترميناش.
أنا بصيت لهم، وافتكرت كل كسرة نفس عشتها في بيتهم. افتكرت لما كانوا بيجرحوني بكلمة العاقر، وافتكرت يوم ما مشيت بكيس الزبالة وهم بيبتسموا بشماتة. كان ممكن في اللحظة دي أدوس عليهم وأنتقم، وأسيبهم يترموا في الشارع زي ما سابوني.
بس افتكرت الحاج أحمد.. الراجل الطيب اللي وثق فيّ وأمّني على عيلته رغم كل شيء. افتكرت إنه سابلي الأمانة دي مش عشان أنتقم، لكن عشان أكون أنا اليد العليا العادلة اللي هما ما عرفوش يكونوها.
أخدت نفس طويل وقلت بهدوء وثبات أنا مش هرميكم في الشارع.. مش عشانكم، عشان خاطر الراجل العظيم اللي خلفكم واللي كان حمايا وأبويا. الحاج أحمد أمنكم عندي، وأنا عمري ما هخون الأمانة.
بصيت لطارق وقلت له الديون اللي على الشقة أنا هسددها بالكامل من ريع الأرض عشان والدتك تفضل في بيتها معززة مكرمة. وهخصص لكم مرتب شهري
محترم يكفي علاج الحاجة ومصاريف البيت بالمعقول.. بس بشرط.
طارق رفع راسه بسرعة وعينيه لمعت بالأمل شروطك أوامر يا نهى.. قولي اللي أنتِ عايزاه.
قلت له الأرض دي ملكي وإدارتها بتاعتي، ومحدش فيكم يتدخل في أي شغل يخصني. وأنت يا طارق.. المرتب اللي هيطلعلك مش عشان تقعد في البيت، المرتب ده عشان تسند بيه نفسك لحد ما تلاقي شغلانة شريفة تاكل منها لقمة عيشك بعرق جبينك.. مفهوم؟
طارق وبسمة بقوا يبكوا من الفرحة، والحاجة فادية بقت تدعي لي وهي بتعيط ربنا يبارك لك يا بنتي ويفتحها عليكي ويرزقك من وسع.. أنتِ أصيلة وبنت أصول.
وقفت ولميت حاجتي في الشنطة، وبصيت لهم النظرة الأخيرة وقلت الحمد لله اللي بيعز المظلوم وبيجيب له حقه لحد عنده. تقدروا تخلصوا الإجراءات مع المحامي.
خرجت من مكتب المحامي وخطواتي بتسمع في الممر. ركبت عربيتي وفتحت الشباك، والهوا الجميل كان بيخبط في وشي. بصيت للسما وقلت يا رب، لك الحمد والشكر.
الدنيا دارت، والعدالة اتطبقت بحذافيرها.. خرجت من بيتهم مكسورة ومعايا كيس زبالة، ورجعت وأنا اللي شايلة مفاتيح حياتهم وإيدي هي اللي ممدودة ليهم بالخير. دي كانت النهاية اللي تليق بصبري، وبداية عمري الجديد وأنا رافعة راسي للسما.
عدت السنين، وحياتي استقرت وبقت ماشية زي الساعة. الأرض اللي على طريق السويس فتحت لي أبواب مشاريع جديدة، والأتيليه بتاعي بقى ليه فروع برة وجوة مصر، وبقيت اسم معروف في عالم بيزنس الأزياء.
أما هما، فالتزموا بكلمتهم ومحدش فيهم بقيت أسمع له صوت. طارق نزل يشتغل بجد، وبسمة اتجوزت راجل بسيط على قد حاله وأنا اللي جهزتها من الأتيليه بتاعي ووقفت جنبها كأخت، والحاجة فادية ربنا
افتكرها بعد سنة من القعدة دي، وماتت وهي بتدعي لي وتطلب سماحي لحد آخر نفس.
وفي يوم، كنت معزومة في حفلة تكريم لسيدات الأعمال الناجحات في مصر. كنت لابسة فستان من تصميمي، واقفة بثقة، والناس كلها بتبص لي باحترام وتقدير.
وأنا واقفة بتكلم مع ضيوف الحفلة، ولمحت بطرف عيني شخص واقف بعيد باصص عليّ بنظرة كلها حسرة وندم.
كان طارق.
عرفت بعد كده إنه شغال في شركة الأمن اللي مسؤولة عن تنظيم الحفلة. سبحان الله، دارت الأيام وبقى هو اللي واقف يحرس الحفلة اللي أنا معزومة فيها كضيفة شرف.
طارق حاول يداري وشه لما عيني جت في عينه، بس أنا ما هربتش بعيني. مشيت ناحيته بخطوات ثابتة وواثقة، ووقفت قدامه.
بص لي وبان عليه الكسوف وقال بصوت واطي مبروك التكريم يا أستاذة نهى.. تستاهلي كل خير.
ابتسمت له ابتسامة صافية، ما فيهاش غل ولا شماتة، بل فيها سلام داخلي حقيقي، وقلت له الله يبارك فيك يا طارق.. عقبالك لما ربنا يكرمك في شغلك.
سيبته ومشيت وطلعت على المسرح عشان أستلم جائزتي. وأنا ماسكة الدرع في إيدي وبصيت للجمهور اللي بيسقف لي، افتكرت رحلتي كلها في لحظة.
افتكرت دموعي، وقهرتي، واليوم اللي خرجت فيه من البوابة الحديدية وأنا مش معايا غير كيس بلاستيك أسود فاكراه زبالة.
في اللحظة دي، عرفت إن الكيس ده ما كانش فيه زبالة، ولا حتى كان فيه مجرد ورق وعقود وفلوس... الكيس ده كان جواه حكمة ربنا. كان اختبار لصبري، وبوابة لكرامتي، والوسيلة اللي ربنا رتب بيها المقادير عشان يخرجني من الضلمة للنور، ويوريني إن الحق ممكن يتأخر.. بس دايماً بيرجع لأصحابه وتالت ومتلت.
نزلت من على المسرح وأنا رافعة راسي، وعارفة إن القصة قفلت
صفحتها الأخيرة بأجمل طريقة ممكنة.

تم نسخ الرابط