شقي عمري راح حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أكتر من اللازم، وأمه اللي كانت بتبص لي بقرف لمجرد إني مخلفتش، وهو... هو اللي مطلعش حتى يقولي مع السلامة.
قربت منه وبصيت في عينه بكل قوة وقلت له أبوك الله يرحمه... أو أقصد، أبوك الحاج أحمد لما إداني الكيس ده، قال لي دي زبالة ارميها في طريقك. عارف كان يقصد إيه بالزبالة؟ كان يقصدكم أنتوا... ويقصد الخمس سنين اللي ضيعتهم معاكم.
وقبل ما ينطق بكلمة تانية، كملت البيت ده حقي، تمن كرامتي اللي دوستوا عليها، وتمن شقايا في خدمتكم. مش هتنازل عن مليم واحد، والمحامين بتوعي هيبدأوا يتحركوا لو حد فيكم قرب لي أو فكر يضايقني.
قفلت الباب في وشه بكل قوتي، وسمعت خطوته وهي نازلة على السلم بجرجرة خيبة.
دخلت قعدت في صالون شقتي الجديدة، وأنا حاسة برضا غريب. الظلم ظلمات، بس لما ربنا بيقرر ينصر المظلوم، بيسخر له القريب قبل الغريب عشان يرجع له حقه. رفعت إيدي للسما وقلت الحمد لله... دايماً يمهل ولا يهمل.
مرت الأيام، وعرفت من قرايب مشتركين إن حالهم اتقلب تماماً. المحل بتاع طارق اتقفل بالشمع الأحمر بسبب الديون المتلتة اللي عليه، والحاجة فادية صحتها تدهورت ومبقتش قادرة تقف على رجليها، وبسمة خطوبتها اتفكت لما عريسها عرف إن عيلتها داخلة في مشاكل وقضايا ومفلسين.
سبحان الله، الكبر والافتراء اللي عاشوا فيه سنين، اتهد كله في كام شهر.
أما أنا، فربنا فتحها عليّ من وسع. البيت اللي الحاج أحمد كتبه باسمي في العباسية، كان في موقع لقطة، جالي فيه عرض إيجار من شركة كبيرة بمبلغ محترم شهرياً. بالفلوس دي، مع القرشين اللي كانوا في الشيك، دخلت شريكة في مشروع أتيليه فساتين أفراح مع واحدة صاحبتي، والمشروع كبر
وبقى اسم معروف في وقت قصير.
وفي يوم، كنت مسافرة المنصورة عشان أزور أهلي، وأنا سايقة عربيتي الجديدة، لقيت رقم حمايا، الحاج أحمد، بيتصل بيا.
قلبي دق بسرعة، وفتحت الخط علطول أهلاً يا حاج أحمد.. عامل إيه وصحتك عاملة إيه؟
جالي صوته التعبان، بس كان فيه نبرة راحة غريبة أنا كويس يا بنتي.. طول ما أنا سامع إنك واقفة على رجلك ومبسوطة، أنا هكون كويس.
دموعي نزلت من كتر التأثر وقلت له أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا حاج، أنت أنقذتني من ضياع حقيقي.
رد عليّ بصوت حنين وقال ما تشكرينيش يا نهى، أنا ما عملتش غير اللي يرضي ربنا. أنا كنت بشوفك بتخدمينا وتستحملي إهاناتهم في الرايحة والجاية وأنتِ ساكتة ومبتشتكيش، وكنت عارف إن ابني طارق ما يستاهلكيش. أنا أديتك حقك اللي هما كانوا عايزين يأكلوه عليكي، ودلوقتي أنا بموت وأنا مرتاح ومطمن إن ربنا مش هيحاسبني على ظلمهم ليكي.. ادعي لي يا بنتي.
الخط قطع.. وبعدها بيومين جالي خبر وفاته.
حزنت عليه من كل قلبي، وصممت أروح العزا بتاعه في مسجد كبير. رحت وأنا لابسة شيك، قوية، وواقفة على رجلي. أول ما حماتي وبسمة وطارق شافوني، عينيهم كانت مليانة غل وكسرة في نفس الوقت، بس محدش فيهم تجرأ ينطق بكلمة واحدة أو يبص في عيني.
وقفت قدام طارق وقلت له ببرود البقاء لله يا طارق.. أبوك الله يرحمه كان الراجل الوحيد في البيت ده.
سيبتهم ومشيت، وأنا باصة للطريق قدامي. مشيت وأنا مش شايلة في قلبي غير الامتنان للراجل اللي أنقذني، واليقين بأن ربنا دايماً بيجيب حق المظلوم، حتى لو من قلب البيت اللي اتظلم فيه. عشت حياتي حرة، غنية بكرامتي وبفلوسي، وبقيت كل ما أشوف كيس بلاستيك أسود
في الشارع، أبتسم وأفتكر إن ساعات النصيب الحلو والبدايات الجديدة بتجيلنا في أضعف الأوقات ومن حتة عمرنا ما نتوقعها.
فاتت سنة كاملة على وفاة الحاج أحمد، وفي السنة دي حياتي اتغيرت 180 درجة. الأتيليه بتاعي بقى من أشهر الأماكن، وبقيت بجهز عرايس من كل مكان، وربنا كرمني وعوضني عن كل لحظة ذل عشتها.
وفي يوم، وأنا قاعدة في الأتيليه وبراجع التصاميم الجديدة، دخلت عليّ زبونة عشان تقيس فستان فرحها. الصدمة إن البنت دي ما كانتش لوحدها... كانت معاها بسمة، أخت طارق!
بسمة أول ما شافتني في المكان، وشها جاب ألوان، وبقت مش عارفة تداري كسرتها فين. كانت لابسة هدوم عادية جداً، وباين عليها الهم والتبهدل، وعرفت بعد كده إنها جاية مع صاحبتها ومشتغلة مساعدة معاها عشان تطلع بأي قرش.
بصيت لها بكل ثقة وابتسمت، وقلت لها أهلاً يا بسمة.. نورتي الأتيليه بتاعي.
كلمة بتوعي نزلت عليها زي الصاعقة. صاحبتها بقيت تبص لها ومستغربة أنتِ تعرفي أستاذة نهى يا بسمة؟ ده أنتِ محظوظة إنك تعرفي صاحبة أكبر أتيليه في المنطقة!
بسمة هزت راسها وهي باصة في الأرض وقالت بصوت مكسور آه.. معرفة قديمة.
طلبت من المساعدين بتوعي يهتموا بالعروسة، وأخدت بسمة على جنب في مكتبي. البنت كانت بتموت من الكسوف، أول ما قعدت، دموعها نزلت وقالت سامحيني يا نهى.. إحنا اتبهدلنا أوي من بعدك. أمي جالها شلل نصفي وقاعدة في السرير، وطارق شغال سواق على عربية لواحد صاحبه عشان يسدد الوصلات اللي عليه، وأنا زي ما أنتِ شايفه.. الدنيا دارت بينا وبقينا تحت الأرض.
بصيت لها وما حسيتش بأي شماتة، بالعكس، حسيت بنعمة ربنا وفضله عليّ. قلت لها بهدوء أنا مسمحاكي
يا بسمة، ومسمحة طارق وأمك.. مش عشانكم، عشان الحاج أحمد الله يرحمه، وعشان ربنا عوضني بأكتر مما كنت أحلم. بس اتعلمي يا بسمة إن الدنيا سلف ودين، والظلم ظلمات.
فتحت شُنطتي وطلعت مبلغ محترم وحطيته في إيدها وقلت لها ده اعتبريه لله، هاتي بيه علاج لوالدتك. وأنا مش عايزة منكم حاجة تاني.
بسمة أخدت الفلوس وهي بتعيط وبتبوس على إيدي، ومشيت وهي مش مصدقة إن اللي ظلموها هي الوحيدة اللي وقفت جنبهم في محنتهم.
لما قفلت الأتيليه بالليل وركبت عربيتي عشان أروح شقتي، بصيت للسما وابتسمت. افتكرت نفسي من سنتين بس، وأنا خارجة بالبلاستيك الأسود ودموعي على خدي، ودلوقتي أنا فين وبقيت إيه.
القصة ما كانتش قصة فلوس ولا بيت.. القصة كانت قصة كرامة وعدالة إلهية. وعرفت وقتها إن اللي يسيب حموله على ربنا، عمره ما يخيب، وإن نهاية كل صبر جبر، وبداية كل طريق ضلمة.. نور كبير بيستنانا في الآخر.
بعد الموقف ده ب ست شهور، جالي اتصال قلب كياني كله، بس المرة دي ما كانش من بسمة ولا من حد تبعهم.. المكالمة كانت من مكتب محاماة كبير في وسط البلد.
المحامي طلب يقابلني لأمر عاجل بخصوص تركة الحاج أحمد أديليكي الله يرحمه. أنا استغربت جداً، وقلت في نفسي تركة إيه تاني؟ ما الراجل كتب لي البيت ودفع لي المؤخر والتعويض وزيادة!
رحت المكتب وأنا مش فاهمة في إيه. دخلت، لقيت المحامي راجل وقور، ابتسم لي وقال أهلاً يا أستاذة نهى. الحاج أحمد الله يرحمه كان سايب أمانة عندي، ووصية مشروطة ما تفتحش ولا تتنفذ إلا بعد مرور سنة ونص على وفاته، وبشرط إنك تكوني لسه على ذمتك وماتوزعتش التركة كلها.
المحامي طلع ظرف تاني، بس المرة دي كان حجمه
أكبر، وقال لي الحاج أحمد كان عارف
تم نسخ الرابط