ابنها ضربها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابني مد إيده عليا امبارح بالليل عشان رفضت أكتبله المخبز بتاعي، ومطقتش بكلمة. النهاردة الصبح، قمت خبزت القرص الطرية الفلاحي الفريش، وعملت القهوة المحوجة المظبوطة، وطلعت طقم الفضة اللي وارثاه عن أبويا ورصيت السفرة كأنه يوم عيد. نزل من أوضته، شاف السفرة العامرة دي وابتسم بانتصار وقال يعني خلاص عرفتي مقامك؟، بس ملامح وشه اتقلبت مية وثمانين درجة في ثانية واحدة أول ما عينه جت على اللي قاعدين معايا على السفرة...
بصمة إيد ابني كانت لسه معلمة ومحروقة على خدي وأنا بجر الصواني الألومنيوم الثقيلة من الدولاب السلك مع أول ضوء للفجر. على الساعة سبعة، كانت ريحة مطبخي مليانة بسمنة بلدي مقدوحة، وسمسم محمص، وهدوء غريب ومرعب.
كنت بتحرك بحساب، مش ضعف مني، لأ، بس عشان كل حركة بعملها وراها غرض.
عجينة القرص كانت خمرانة ومرتفعة ومثالية، وفارت برة العجان الفخار. والبيض البلدي بيتسلق على البوتاجاز. لمعت معالق الفضة الغالية، القطع الثقيلة اللي من ريحة الغاليين ومطلعتهاش من يوم عزا جوزي الله يرحمه.
امبارح بالليل، حازم كان واقف في الصالة ومراته شاهيناز واقفة وراه، والاتنين متأناقين على الآخر ولابسين لبس غالي كأنهم قبضوا تمن شقى عمري خلاص ورايحين يحتفلوا.
قال لي هتمضي على التنازل ده يا أمي، وتسلمينا دفتر الوصفات والسر الصنعة.
قلتله لأ.
هي

الكلمة دي اللي طلعت مني.
وشه اتشنج وعروقه ظهرت أنتِ مش فاهمة إحنا قدام صفقة شكلها إيه؟ إحنا بنتكلم في ملايين يا أمي! ملايين!
شاهيناز ربعت إيدها وقالت بلؤم الشركة الكبيرة عايزة تشتري الاسم وتعمله فرانشايز في مصر كلها. وأنتِ قاعدة تكنزي فيه زي العجايز الكراكيب.
الأهل والعزوة.
الكلمة دي زمان كان طعمها زي الشربات في البق. ودلوقتي، بقيت حاسة بطعمها زي التراب والرماد.
أنا اللي دفعت دم قلبي عشان حازم يتعلم في الجامعة الأمريكية. وأنا اللي شيلت معاه الديون لما خسر في كذا مشروع على الكمبيوتر. ولما أبوه توفى، سبته يمسك لقب المدير المسؤول في المخبز بتاعنا. لحد ما ظهرت شاهيناز. وبعدها بدأت طلبات الشركات تنهش فينا.
امبارح بالليل، حازم حدف ورق التنازل على ترابيزة الصالون.
امضي الورق ده يا أمي وخلصينا.
بصيت لشعار الشركة اللي على الورق، وبعدين بصيت لابني.
لأ. مخبز البركة مش للبيع.
القلم نزل على وشي بسرعة وعمى عيني، ومحستش بالوجع غير بعدها بثواني.
شاهيناز شهقت، بس مش رعب وخوف عليا.. لأ، شهقت من الفرحة والإثارة.
حازم وطى عليا وقال بفجر هتتعلمي الأدب وتعرفي مصلحتك.
أنا سكت ومطقتش.
مش عشان اتكسرت.
عشان الكاميرا الصغيرة المخفية اللي شغالة بالحركة وجوة الساعة الرقمية اللي في الصالة، سجلت كل حاجة.. صوت وصورة.
الصبح ده، رصيت السفرة
لأربع أفراد.
أربعة.
سمعت خطى حازم الثقيلة فوق دماغي الساعة تمانية وربع. باب أوضته اتفتح، وشاهيناز ضحكت ضحكتها المايعة الخبيثة، الضحكة اللي بتطلعها لما تحس إنها كسرت حد وكسبت.
صبيت القهوة في فنجان جوزي القديم الغالي، وحطيته على رأس الترابيزة.
وقعدت، ضهري مفرود، الكدمة معلمة على خدي، وإيديا الاتنين فوق بعض بكل ثبات.
حازم نزل الأول، لابس قميص براند متفصل مخصوص، والغرور كان مالي عينه وتصرفاته.
وقف على باب الصالة.
عينه راحت على القرص المدهونة بالسمسم والبيض والفضة اللي بتبرق.
ابتسامة بطيئة وشماتة ظهرت على وشه.
يعني خلاص، عرفتي مقامك وجبتي ورا.
بس فجأة عينه جت على اللي قاعدين على السفرة...
لقى مأمور القسم، ووكيل النيابة، والمحامي بتاعي، واللاب توب مفتوح قدامهم على فيديو الضرب...
عينه ثبتت في مكانها، والابتسامة اللي كانت مالية وشه اتمسحت في ثانية، وحسيت بركبه سابت لدرجة إنه سند على الحيطة عشان ما يقعش. شاهيناز نزلت وراه وهي بتعدل غوايشها الدهب بتنطيط، بس أول ما شافت البدل الميري والوجوه الصارمة اللي مالية الصالة، كتمت شهقتها بإيدها ورجعت خطوتين لورا كأنها شافت عزرائيل.
مأمور القسم حط فنجان القهوة من إيده على السفرة براحة، الرنة بتاعة الفنجان في السكوت ده كانت زي ضربات القلب. بص لحازم من فوق النظارة وقال بنبرة هادية
بس تقطع النفس
اتفضل اقعد يا بشمهندس.. ده إحنا كنا لسه بنشوف فيلم سينما يعلم ربنا قطع قلبنا، والست الوالدة كانت بتصرّ تضايفنا الأول قبل ما نعمل أي إجراء.
حازم لسانة اتعقد، وبقى بيبصلي ويبص للجهاز وعرقه سايل على قفاه
أمي.. أنتِ.. إيه ده؟ دول مين؟
المحامي بتاعي وقف، وعدل جاكت بدلته بكل برود، وفتح شنطته الدبلوماسية
دول يا حازم بيه رجال القانون اللي جاو يشهدوا على محضر عقوق والدين وضرب وإحداث إصابات. الفيديو اللي سجلته ساعة الحائط مش سايب مجرد شك.. ده جايب القلم وصوت الست الوالدة وهي بتقول لأ، وجايب الهانم مراتها وهي ساندة ومحرضة.
وكيل النيابة شاور بصباعه لحازم بكل حزم
القلم اللي ضربته لامك ده، تمنه غالي أوي في القانون، وغالي أكتر عند ربنا. عقوق الوالدين والاعتداء عليها في بيتها بهدف السرقة والإكراه على التنازل.. جناية مش جنحة يا متر، وتوديك ورا الشمس.
شاهيناز بدأت تترعش وصوتها يرعش
يا فندم إحنا كنا بنهزر.. ده هزار عائلي.. دي أمنا برضه مفيش الكلام ده!
المحامي رد عليها بقسوة
الهزار ده يا هانم هتقوليه في النيابة.. والمصحف الشريف ما هسيبكم غير وأنتوا لابسين الأبيض والكلبشات في إيدكم. مخبز البركة اللي طمعانين فيه، الست الوالدة كتبت أصوله كلها وقف خيري لله وللفقراء من الميعاد ده، يعني مفيش ورث ولا في بيع للشركات الأجنبية،
وشقا أبو الله يرحمه هيفضل يطعم الغلابة.
حازم
تم نسخ الرابط