ابنها ضربها حكايات صافي هاني
في الحتة، واللقمة تطلع زي ما كانت.. نضيفة ومليانة بركة.
العمال أول ما سمعوا الكلام كبروا وسمّوا، والأسطى عبده دمع وقال ربنا ينصرك يا حاجة، والبركة طول عمرها في إيدك.
دخلت قعدت على مكتبي القديم، المكتب الخشب اللي أبو حازم سابهولي. فتحت الدفتر الكبير، ومسكت القلم، وبدأت
أراجع الحسابات بنفسي. كان بقالي سنين سايبة الإدارة لحازم، والنهاردة رجعت الملكة لعرشها.
الشمس كانت حامية وضاربة في صالة المخبز، وريحة الصاجات وهي طالعة من الفرن البلدي كانت بترد الروح. تذكرت كل شقانا أنا وأبوه، وتذكرت القلم اللي علم على وشي امبارح.. القلم ده مكسرنيش، القلم ده صحاني من غفلة الأمومة اللي كانت هضيع شقى العمر.
الآن، البركة رجعت لأصحابها الحقيقيين.. للناس الغلابة، ولربنا اللي مبيضيعش حق حد. وحازم؟ حازم هيفضل في ضلمة الحبس يدوق تمن الغرور والطمع، لحد ما يعرف إن رضا الأم مش بفلوس الدنيا، وإن اللي يبيع أمه عشان قرشين، بيصحى يلاقي نفسه معندوش لا أصل.. ولا تمن.
فاتت الأيام الأربعة، والمحامي كلمني وقالي إن النيابة جددت حبسهم خمسة عشر يوماً كمان على ذمة التحقيق بعد ما تقرير الطب الشرعي أثبت الكدمة اللي في وشي، وفيديو الساعة الرقمية مخلّاش محامي يعرف ينطق بحرف واحد يدافع بيه عنهم. شاهيناز في الحبس قبت على حازم، وبقت تصرخ وتقول هو السبب وهو اللي وزّها، وهو قاعد في حتة تانية خالص، باصص للبيت الأبيض والكلبشات ومش مصدق إن أمه الحنينة، اللي كانت بتداري عليه من أبوه وهو عيل صغير، هي اللي رمت مفتاحه في التخشيبة.
أنا مروحتش زرتهم ولا مرة، ولا فكرت حتى أسأل هما واكلين وإلا شاربين. قلبي اتأفل عليه
في أول جمعة بعد الحادثة، قمت من الفجر، توضيت وصليت، ولبست عبايتي ونزلت المخبز بنفسي. المخبز كان شغال زي الخلية، والعمال طالعين نازلين بصاجات الكعك والقرص والعيش الفينو، والزبائن طوابير برة. وقفت في وسط الصالة، ولقيت الأسطى عبده جايبلي كرتونة كبيرة مقفولة.
إيه ده يا أسطى عبده؟
قال لي وهو باصص في الأرض دي حاجات حازم بيه اللي كانت في مكتبه يا حاجة.. أوراقه، وساعته، وصوره مع الهانم مراته.. شيلناها عشان مكتبك يفضى ويرجعلك زي زمان.
بصيت للكرتونة، ولقيت على الوش صورة حازم يوم تخرجه من الجامعة الأمريكية، كان حاضني وبيضحك، والضحكة كانت مالية وشه قبل ما الطمع يعمي عينه. نزلت دمعة سخنة على خدي، مسحتها بسرعة وقلت للأسطى عبده خد الكرتونة دي ارميها في المخزن القديم تحت.. مش عايزة أشوف حاجة تفكرني بيه. أنا ماليش غير المخبز ده والناس الغلابة.
على الساعة واحدة بعد صلاة الجمعة، فتحنا باب المخبز ووزعنا أول نفحة من الوقف الخيري. كراتين كراتين طالعة من المخبز مليانة عيش وقرص فلاحي بسمنة بلدي، رايحة لبيوت الأرامل والمحتاجين في المنطقة. الناس كانت بتدعي لي من قلبها، وصوت الدعاء كان بيهز حيطان الشارع ربنا يجبر بخاطرك يا حاجة.. ربنا يبارك في عمرك وفي صحتك ويزيدك من نعيمه.
في اللحظة دي، حسيت إن الكدمة اللي على خدي خفت تماماً، ومبقاش ليها أي أثر. ربنا عوضني عن الابن العاق ب مية ابن وأخت وأخ بيدعوا لي بظهر الغيب.
رجعت شقتي بالليل، البيت كان هادي ونضيف، وريحة البخور مالية الأوض. قعدت على السفرة، وطلعت طقم الفضة القديم تاني، بس المرة دي مكنش فيه خوف ولا قلق من خبطة باب ولا زعيق.
شقى عمري هيفضل في إيد أمينة.. إيد ربنا. واللي يبيع أمه عشان خاطر الفلوس والشركات، الدنيا بتدور بيه وبتسيبه في الآخر عريان من غير غطا ولا كرامة. أنا كسبت نفسي، وكسبت آخرتي، ومخبز البركة هيفضل دايماً.. اسم على مسمى.
ومرت الشهور، وجت الجلسة المنتظرة في المحكمة.
وقفت أنا والمحامي بتاعي قدام قاضي منصة الحق. حازم وشاهيناز كانوا واقفين في قفص الاتهام، الهدوم الشيك دبلت، والغرور اللي كان مالي عنيهم اتمسح وبقى بداله ذل وخوف. شاهيناز كانت دارية وشها بطرحة بيضا وبتبكي من غير صوت، وحازم أول ما عينه جت في عيني، انهار وبقى يصرخ ويداعب القضبان الحديد سامحيني يا أمي! يبوس رجلك سامحيني! أنا اتعميت.. الشيطان وزني!
القاضي خبط بالشاكوش وعمّ السكوت في القاعة. المحامي بتاعي اتكلم بكل هيبة، وعرض الفيديو تاني، وطالب بأقصى عقوبة عشان يكون حازم عبرة لكل ابن يفكر يمد إيده على اللي شالته في بطنها وسهرت عليه.
الحكم جه زي السيف القاطع السجن المشدد تلات سنين لحازم بتهمة الضرب وعقوق الوالدين والإكراه، وسنة مع الشغل لشاهيناز بتهمة التحريض والمساعدة.
لما القاضي نطق بالحكم، شاهيناز صرخت وأغمى عليها، وحازم قعد على أرضية القفص وحط إيده على رأسه وهو بيبكي بحرقة. أنا بصيتلهم نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش شماتة، بس فيها راحة إن العدل اأتحقق، وإن ربنا ميرضاش بالظلم. لفيت ضهري وخرجت من القاعة ورأسي مرفوعة، ومبصيتش ورايا ولا خطوة.
تمر السنين، وبقى مخبز البركة أشهر من نار على علم في مصر كلها. ربنا فتحها
وفي يوم من الأيام،
وأنا قاعدة في مكتبي براجع حسابات الوقف، دخل عليا الأسطى عبده وهو شايل ورقة في إيده، ووشه فيه علامات التردد يا حاجة.. في جواب جالك من سجن طرة.. من حازم.
بصيت للجواب وهو في إيده. زمان كان قلبي ممكن يتقطع، بس النهاردة قلبي بقى ملك للي خلقني وبس.
قلت للأسطى عبده بهدوء هاته يا أسطى عبده.
فتحت الجواب، ولقيت حازم كاتب بخط يده وريد ورق تالف أمي الغالية.. أنا بقيت أصلي وبقيت أحفظ قرآن هنا في السجن، وعرفت قيمتك وقيمة اللقمة الحلال اللي كنتِ بتأكليها لنا. أنا مش طالب منك المخبز ولا الفلوس، أنا طالب بس تقولي الله يسامحك عشان أقدر أعيش.. شاهيناز طلبت الطلاق وخلعتني وأنا في الحبس، والكل سابني ومبقاش ليا حد في الدنيا غير ربنا ودعاكي.
دمعة نزلت من عيني على الورقة.. دمعة أم. قفلت الجواب وحطيته في الدرج، وبصيت للسما وقلت مسامحاك يا حازم بينك وبين ربنا.. عشان تلاقي التوبة، بس مخبز البركة وشقى أبوك خلاص مبقاش ملكي ولا ملكك.. ده بقى ملك للغلابة.
قمت من على مكتبي، وخرجت برة في صالة المخبز. كانت ريحة الخبيز البلدي الطازة طالعة تداعب الوشوش، والعمال شغالين بضحكة صافية، والزبائن بتدعي وتقول ربنا يباركلك في عمرك يا حاجة.
وقفت وسطهم، وأنا حاسة إن عمري مضاش، وإن الأمومة مش بس إنك تخلفي، الأمومة إنك تربي على الأصول، ولما الأصول تضيع، القانون والشرع يرجعوا الحق لأصحابه. البركة فضلت في بيتي، والاسم هيفضل عايش وسيرتي