ابنها ضربها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

رمى نفسه تحت رجلي وهو بيبكي بنحيب، وبيمسك طرف جلبابي
بوس إيدك يا أمي.. سامحيني.. ده الشيطان شاطر.. أنا ابنك بكري.. هتحبسينيا؟
بصيتله وقلبي اللي كان بيموت من الوجع امبارح، بقى زي الحجر.. بصمة إيده على خدي كانت لسه قايدة نار، بس نار كرامة مش انكسار.
شيلت طرف جلبابي من تحت إيده، وبصيت للمأمور وقلت بصوت قوي ميهتزش
يا فندم.. القانون ياخد مجراه. أنا ربيت وعلمت، وربنا شاهد إني ما قصرت.. بس اللي يمد إيده على أمه، مبقاش ابني.. ده واحد غريب سرقني واعتدى عليا في بيتي، وخير ربنا مش هيدخل جيبه قرش واحد منه.
المأمور شاور للعساكر اللي كانوا واقفين على الباب برة
هات الكلبشات يا ابني.. وخدهم على البوكس.
اتكلبش حازم وشاهيناز في بعض، وخرجوا من باب البيت والفضائح مالية المنطقة، والكلبشات بتصقف في إيديهم. قعدت على كرسيا، مسكت فنجان قهوة جوزي، وبصيت للسفرة الفاضية.. أخدت نفس طويل، وحسيت لأول مرة إن ريحة المخبز والبركة رجعت تملى البيت من تاني.
العساكر أخدوهم ونزلوا بيهم على السلم، وصوت عياط حازم وصويت شاهيناز كان مسمع في العمارة كلها والشارع. الجيران طلعوا على الصوت، اللي بيبص من البلكونة واللي واقف على الباب، والكل شاف حازم بيه المترستق وهو نازل متكلبش مع مراته ورايحين على بوكس الشرطة.
الفضيحة كانت بجلاجل، والمنطقة كلها عرفت إن اللي يمد إيده على أمه ملوش أمان ولا ليه جدر يعيش عليه.
المأمور ووكيل النيابة استأذنوا ونزلوا وراهم عشان يكملوا الإجراءات في القسم، والمحامي بتاعي قفل شنطته وبصلي باحترام وقال
الحجج والورق كله تمام يا حاجة، والوقف الخيري اتسجل رسمي. ريحي أنتِ بس، وأنا هتابع المحضر وهخليهم يتدوروا في التخشيبة الليلة دي عشان يعرفوا إن الله حق.
قفل المحامي الباب وراه، والبيت فجأة بقى هادي.. هدوء مكنتش حاسة بيه من سنين طويلة، من يوم ما شاهيناز دخلت حياتنا وبدأت تملا دماغ حازم بالطمع والافترا.
بصيت على السفرة.. القرص الفلاحي لسه دافية، والقهوة ريحتها مالية المكان. قعدت على كرسيا المفضل، الكرسي اللي كان أبو حازم الله يرحمه بيقعد قصاده. حطيت إيدي على خدي، الكدمة كانت لسه بتوجعني، بس الوجع اللي جوة قلبي كان بدأ يبرد ويتحول لراحة.
مسكت قرصة، سميت الله، وأكلت أول قطمة. كان طعمها زي زمان.. طعم الشقى والبركة الحقيقية اللي مفيهاش غش. افتكرت الآية الكريمة اللي بتقول وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. حازم اختار الشقاوة والجبروت، والدنيا دارت بيه في ثانية.
قمت وقفت في البلكونة، وبصيت على محلات البركة اللي في وش البيت. العمال
كانوا بيفتحوا الأبواب الصاج، وريحة العيش الفينو والمخبوزات الطازة بدأت تطلع وتملى الشارع، وصوت أم كلثوم طالع من الراديو الصغير بتاع الأسطى عبده وهو بيقول وللإساءة طول العمر عاقبةٌ.. ومَنْ يَعِشْ يَرَ بال
عينينِ ما صَنَعا.
المخبز ده مش مجرد حيطان وصفات، ده عمري وشقى جوزي، وده اللي هيعيش بعدي يطعم الغلبان ويصرف على اليتيم. حازم كان فاكر إنه لما يكسرني هياخد كل حاجة، ميعرفش إن الأم لما بتدعي يا رب، ربنا بيجيب لها حقها ولو بعد حين.
دخلت المطبخ، غسلت الفناجين الفضة بإيديا، ورجعتها مكانها في الدولاب السلك. قفلت عليها بالمفتاح، وحطيته في جيبي.. المفتاح اللي مش هيتمسح منه ريحة العجين، ومش هيتفرط فيه لأي شركة في الدنيا. تنحت سجادة الصلاة، ووقفت أصلي ركعتين شكر لله، وأنا بدعي له يثبت قلبي، ويجعل البركة دايماً في بيتي وفي لقمة العيش اللي بتطلع من فرننا للناس الطيبين.
سلمت من الصلاة، ونزلت رجلي من على السجادة وأنا حاسة بوزن جبل انشال من على صدري. بصيت لساعة الحيطة، كانت داخلة على حداشر الصبح. الوقت سرقني، بس لأول مرة من سنين مفيش حد بيزعق، مفيش حد باصص في لقمة عيشي، ومفيش مرواحة ومجية ل شاهيناز وهي بتقيس الشقة بعينها وعايزة تشطب على كل حاجة قديمة.
تليفوني رن على التربيزة،
كان المحامي.
رديت بصوت ثابت خير يا متر؟
قال لي بنبرة فيها راحة كله تمام يا حاجة. المحضر اتقيد، والنيابة أمرت بحبس حازم ومراته أربعة أيام على ذمة التحقيقات بتهمة ضرب الأصول، والاعتداء، ومحاولة الإكراه على التوقيع. حازم كان هيموت من العياط في النيابة وعايز يكلمك، بس أنا نبهت على الحرس ومنعته. تليفونك ميردش عليه يا أمي، ده لو طلع المرة دي، مش هتعرفي تعيشي في بيتك.
قلت له بقلب جامد يقضي عقوبته يا متر. اللي يمد إيده على أمه مبقاش ابن.. ده بقى عار، والعار لازم يتغسل بالقانون. كمل إجرائتك والوقف الخيري مش هيرجع فيه كلام.
قفلت السكة. لبست عبايتي السودا وطرحتي، وأخدت مفاتيح مخبز البركة ونزلت.
أول ما رجلي عتبت الشارع، الجيران والزبائن كانوا واقفين يتوشوشوا، بس أول ما شافوني، السكوت عمّ. الأسطى عبده، كبير العمال في المخبز، جالي جري وعلى وشه علامات الحزن والخزي حمد الله على سلامتك يا حاجة.. الشارع كله مقلوب، ومكنّاش نتخيل إن حازم يعمل كدة.. ده إحنا اللي مربينه وسطنا.
بصيت له وقلت بنبرة هادية بس قوية كل واحد بيشيل شيلته يا أسطى عبده. حازم اختار طريقه، والمخبز من النهاردة ملوش دعوة بيه. المحل ده من ساسه لراسه بقى وقف لله. أرباحه من هنا ورايح نصها لتطوير الشغل، والنص الثاني هيروح
لبيوت الأيتام والغلابة
تم نسخ الرابط