حبس ابنتي حكايات صافي هاني
لو محدش فتح الباب ده النهاردة، بنتي مش هتعيش للصبح.
دي كانت أول فكرة تيجي في بال مصطفى وهو نازل من عربية أوبر قدام بيت بنته في التجمع. كان عنده سبعة وستين سنة، شعره أبيض ومتسرح بانتظام، ركبته مصلبة ومبتتنيش بسهولة، وعينيه فيها نظرة حادة ومركزة لراجل قَضّى سنين طويلة من عمره بيسمع كدب مِتأَيف على إنه مبررات.
لأكتر من تلاتين سنة، مصطفى كان شغال محقق في مباحث الأموال العامة. كان بيعرف الإمضاء المضروبة بمجرد النظر. بيعرف التحويل المالي المشبوه اللي معمول عشان يخبي سرقة. وبيعرف لما يكون الشخص بيتكلم وهو خايف ومرعوب حتى لو بيقول كل حاجة تمام.
وبقاله شهور، بنته الوحيدة، مريم، كان صوتها طالع بالطريقة دي بالظبط.
كانت اتجوزت طارق من سنتين، راجل كان باين مثالي في عزومات العيلة. قمصان مكوية، صوت واطي، وابتسامة تفتح النفس. من نوعية الرجالة اللي لما يسلموا عليك، القرايب الكبار في السن يقولوا الولد ده متربي صح.
أمه بقى، زينات، كانت حاجة تانية خالص. أرملة، متكبرة، وبتتدخل في اللي ملهاش فيه بأسلوب خبيث الساحل والناس الأغنية بيفتكروه ساعات اهتمام. من أول يوم وهي بتبص لمريم كأنها دخلت عيلة زينات بالغلط.
مصطفى مكنش بيطيق زينات دي.
بس سكت.
مريم كانت بتحبه. وساعات الأب بيغلط غلطة عمره لما يفتكر إن احترام خصوصية ولاده معناه إنه ميتحشرش في حياتهم.
بعد ما مراته ماتت، مصطفى نقل عاش في الإسكندرية، على أمل إن الهدوء هناك يخفف وجع الفراق شوية. مريم كانت بتكلمه كتير في الأول. كانت بتقول له إن طارق واخد باله منها، وبتقول له متقلقش، وإنها مبسوطة.
بس المكالمة الأخيرة مكنتش مكالمة حد مبسوط.
مريم كانت بتتكلم بصوت واطي قوي.
واطي بزيادة.
قالت إنها تعبانة. وقالت إنها مش هتعرف تيجي تزوره. وقالت إن طارق بيساعدها
لما مصطفى سألها لو محتاجة حاجة، حصل سكات طويل لدرجة إنه كبس على التليفون بإيده جامد من القلق.
لا يا بابا... كل حاجة تمام.
بس ده مكنش صوت بنت عايشة في سلام.
ده كان صوت حد في حد مراقبه وواقف فوق دماغه.
فمصطفى حجز ميكروباص سوبر جيت من غير ما يقول لها. نزل القاهرة صباح يوم تلات وطلع على البيت علطول. لا كلمها ولا بعت لها رسالة. مكنش عايز يشوف نسخة مِتزوقة من الحقيقة.
الباب البراني كان موارب ومش مقفول.
دي لوحدها خلت جسمه يقشعر.
مريم كانت حريصة جداً من وهي عيلة صغيرة. هو اللي علمها تشيك على الأقفال، الشبابيك، المخارج، والزوايا الميتة من قبل ما تكبر وتفهم هو بيعلمها كده ليه. بنته مستحيل تسيب الأبواب مفتوحة.
في حاجة غلط، وغلط كبير كمان.
دخل جوه البيت براحة.
مريم؟ طارق؟
محدش رد.
مفيش غير صوت ضعيف جداً جاي من آخر البيت.
مِش مِحصل صرخة.
ومِش مِحصل كلام.
صوت حد محبوس ومكسور.
مصطفى مشي ورا الصوت، عدى المطبخ، وأوضة الغسيل، وراح ناحية مخزن صغير جنب البلكونة. الباب كان مقفول بقفل من بره.
مفكرش ثانية.
مسك قصرية زرع فخار تقيلة وفضل يخبط بيها في القفل لحد ما حلق الباب اِتشرخ واِتكسر.
لما الباب اتفتح، الريحة صدمته الأول.
ريحة كمكمة.
عرق.
رعب.
بنته كانت مرمية على الأرض.
مريم كانت متسلسلة من كاحل رجلها في رف حديد ثبت في الحيطة. وشها كان وارم. شفايفها متقطعة. زرقان قديم وجديد مغطي دراعاتها. هدومها كانت مبهدلة ومتوسخة. جسمها كان باين عليه إنه بقاله أيام بيصارع الموت لوحده.
بابا... همست بالكلمة بالعافية.
مصطفى حس إن قلبه اتشق نصين.
جرى عليها، بيدور على السلسلة على القفل، على أي حاجة يكسرها. لمح مقص حديد كبير بتاع قطع الأسلاك كان متعلق على الحيطة، مسكه وبإيد بتترعش قطع السلسلة
مين اللي عمل فيكي كده يا حبيبتي؟
مريم بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها طلع متحشرج ومشرخ.
طارق... وأمه. سافروا الغردقة. قالوا على ما يرجعوا... مش هكون موجودة عشان أعملهم مشكلة تاني.
مصطفى شالها براحة. كانت خفيفة قوي عن آخر مرة شافها فيها. خفيفة بزيادة، كأن الحزن والوجع نشفوا دمها.
قبل ما يغمى عليها تاني، مريم قدرت تقول الكلمتين اللي خلوا الدم يتجمد في عروقه.
كانوا عايزين كل حاجة... البيت... فلوسي... الميراث اللي ماما سابتهولي.
عربية الإسعاف وصلت بعد كام دقيقة. المسعفين سكتوا وصدمة واضحة على وشوشهم أول ما شافوا منظرها. ظباط الشرطة بدأوا يصوروا الأوضة جردل في الزاوية، بطانية قديمة، إزوزة مية قريبة من الفضا، علامات على الأرض مطرح ما كانت بتحاول تتحرك، وخربشة جنب الباب مطرح ما صوابعها كانت بتحاول تطول أي حاجة ووفشلت.
دي مكنتش نوبة غضب أو ضربة عشوائية.
دي كانت خطة ومؤامرة.
في المستشفى، ولما الممرضات بدأوا يعلقوا لها محاليل والدكاترة بيطمنوا على نسبة الجفاف، مريم حكت الحكاية حتة حتة. التعذيب ده بقاله ست شهور. الأول طارق أخد تليفونها. بعدين كروت البنك. بعدين زينات أمه نقلت عاشت معاهم في البيت بحجة إنها بتساعد، وكل يوم كانت دايرة حياتها بتضيق وتصغر وتبقى تحت السيطرة أكتر.
لما مريم رفضت تمضي على ورق بيع وشراء، طارق ضربها.
ولما حاولت تتصل بأبوها، قفلوا عليها في المخزن.
ميراث أمها، اللي كان رقم كبير، بدأ يختفي حبة حبة عن طريق تحويلات مريم مكنتش تعرف عنها حاجة ولا وافقت عليها.
مصطفى وقف جنب سرير بنته في المستشفى، ومبقاش الراجل العجوز الأرمل اللي غرقان في حزنه.
المحقق القديم جواه صحي تاني.
بارد.
صبور.
ومفتح عينيه كويس.
لسنين طويلة، كان بيتتبع الفلوس القذرة والشركات
بس دي مكنتش قضية عادية من قضاياه.
دي مريم. بنته.
طارق وزينات كانوا في الغردقة، بيشربوا على البحر، بيصرفوا من الكروت اللي سرقوها، بينزلوا صورهم على الشاطئ، وفاكرين إن الباب ده مستحيل حد يفتحه.
مكانوش يعرفوا إيه اللي مستنيهم.
مصطفى فتح تليفون بنته بعد ما الشرطة سلمتهوله في كيس الأحراز. الشاشة كانت مكسورة بس التليفون كان شغال. لقى رسائل كانت كاتباها ومبعتتهاش. مسودات رسايل ليه هو. مسودات لمحامي. نوتة صغيرة مش متبقية منها غير جملة واحدة بابا، لو لقيت ده، اعرف إني حاولت.
اضطر يقعد على الكرسي بعد ما قرا الجملة دي.
مش عشان هو ضعيف.
عشان في اللحظة دي بالذات، كان مجرد أب مكسور.
بعدين وقف تاني على رجله.
ظابط المباحث المسؤول عن القضية طلب منه يكتب أقواله. مصطفى أملاها له. بهدوء. وبدقة متناهية. أسامي، تواريخ، مكالمات قديمة، التغيير اللي حصل في تصرفات مريم، الشكوك المالية، الأوضة المقفولة، السلسلة، والسرقة اللي بيشك فيها. مزودش كلمة من عنده. مكنش محتاج يزود. الحقيقة لوحدها كانت قذرة وبشعة كفاية.
بعدين سأل الظابط سؤال واحد.
في حد جمد حساباتها؟
الظابط بصله ومكنش متأكد إحنا لسه بنخلص الإجراءات...
عينين مصطفى برقت بحدة الناس دي بتصرف من فلوسها حالا دلوقتي.
الكلمة دي قلبت الأوضة.
على الضهر، مصطفى كان بيتكلم في التليفون مع البنك بتاع مريم. على الساعة واحدة، كان اتواصل مع محامي بيثق فيه. على الساعة اتنين، كان قدم طلبات تجميد طارئة، وعمل بلاغات عن التحويلات، وحفظ سجلات الحسابات، وطلع كشوفات الملكية العقارية.
على الساعة تلاتة، ظهرت أول وثيقة.
عقد تنازل معلق.
إمضاء مريم كانت منقولة ومحطوطة
مصطفى بحلق في