حبس ابنتي حكايات صافي هاني
بالحكم.. ساحة العدالة
مرت الأيام وجاء صباح يوم الجلسة التاريخية بمحكمة جنايات القاهرة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها؛ الصحافة، وكاميرات التلفزيون، والناس اللي سمعت بالقضية وهزت الرأي العام.. الكل كان مستني يشوف نهاية طارق وزينات.
في قفص الاتهام، كان الوضع مأساوي. طارق واقف ووشه في الأرض، دقنه نبتت، والقمصان المكوية البيضاء اتبدلت بهدوم الحبس الاحتياطي البيضاء الباهتة. جنبه كانت زينات، اللي خست النص، ملامح التكبر والغرور اختفت تماماً وحل مكانها الرعب والذل، ماسكة في حبال القفص وبتعيط من غير صوت.
على الناحية التانية، في المقاعد الأمامية، كانت مريم قاعدة وجنبها مصطفى. مريم كانت لابسة فستان محتشم وأنيق، ووشها هادي وفي غاية الثبات، مستندة على كتف أبوها اللي كان قاعد بهيبته المعتادة، لابس بدلته الرسمية كاملة، وعينيه مركزة على منصة القضاء.
محكمة!
هتف حاجب المحكمة بصوت زلزل القاعة، فصمت الجميع تماماً، ووقف الحضور إجلالاً لهيئة المحكمة وهي بتعتلي المنصة.
رئيس المحكمة، مستشار جليل بشعر فضي ونظرة صارمة، تفحص أوراق القضية لعدة دقائق ساد فيها صمت رهيب، لدرجة إن صوت أنفاس طارق المرتعشة كان مسموع جوه القفص.
بدأ القاضي يقرأ مقدمة الحكم بنبرة
إن المحكمة وهي بصدد هذه الدعوى، لم تجد أمامها مجرد جريمة سرقة أو تزوير، بل وجدت خسة ودناءة تجردت فيها المشاعر الإنسانية من أدنى معاني الرحمة. متهمان استغلا طيبة وضعف مجني عليها، وبدلاً من أن يكون الزوج سكناً وأماناً، تحول إلى سجان ومقصلة، بمباركة أم نزعت الأمومة من قلبها لتعبد المال. لقد حبساها، ومنعا عنها القوت والماء، وتركاها تصارع الموت في غياهب غرفة ضلمة، ظناً منهما أن عين الله غافلة، وأن الباب لن يفتحه أحد.. ولكن إرادة المولى سخرت لها أباً، تعقب خيوط الجريمة بحكمة المحقق وقلب الأب المفطور، لينقذ ابنه من براثن الهلاك.
زينات بدأت تنهار وتصرخ يا فندم أنا ماليش دعوة.. أنا كنت ضيفة عندهم!
ضرب القاضي بالمطرقة بقوة هدوء في القاعة! وإلا سيتم طرد المتهمة وتغليظ العقوبة.
تابع المستشار قراءة الحكم
حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء
أولاً بمعاقبة المتهم الأول طارق بالسجن المؤبد عما أسند إليه من تهم الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار، والتزوير في محررات رسمية واستعمالها.
ثانياً بمعاقبة المتهمة الثانية زينات بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً للاشتراك والتحريض وتسهيل الجريمة.
ثالثاً إلزام المتهمين برد كافة المبالغ المستولى عليها،
لحظة الانهيار والانتصار
مع كلمة المؤبد، طارق ركبه خانته ووقع على أرضية القفص وهو بيصرخ ويبكي زي الأطفال، وزينات بدأت تلطم وتصوت بشكل جنوني والأمناء بيسحبوهم من جوه القفص عشان يتنقلوا لعربيات الترحيلات.. واحد على سجن ليمان طرة، والتانية على سجن القناطر للنساء.
في القاعة، مريم غمضت عينيها ونزلت منها دمعة واحدة طويلة، بس المرة دي كانت دمعة شكر وفرحة.. حست إن الجبل اللي كان كاتم على نفسها انزاح للأبد.
مصطفى وقف، وبص للقفص وهو بيموتوا من الرعب، وبعدين لف لبنته، أخدها وطبطب على ظهرها وقال لها بصوت مليان فخر خلاص يا بنتي.. العدل اتحقق، وحقك رجعلك تالت ومتلت قدام الدنيا كلها.
البداية الجديدة.. على شاطئ الإسكندرية
بعد شهر من المحاكمة..
الجو كان خريف رائع في الإسكندرية، شمس هادية ونسمة بحر بترد الروح. على كورنيش جليم، كانت مريم واقفة وساندة على السور، الهوا بيطير طرحتها المحتشمة، ووشها منور وبتبتسم للبحر وهي بتتنفس براحة حقيقية.
مصطفى جه من وراها وشايل في إيده درتين مشويين سخنين، وداها واحدة وقعدوا سوا على المقعد الخشبي المواجه للموج.
بتفكري في إيه يا مريومة؟ مصطفى سألها وهو بيبتسم.
مريم بصت للبحر وقالت بنبرة مليانة سلام داخلي بفكر في إني مش زعلانة على كل اللي فات يا بابا.. لولا الكابوس ده، مكنتش عرفت قيمتك الحقيقية، ومكنتش عرفت أنا قد إيه قوية وممكن أبدأ من جديد.
مصطفى طبطب على إيدها وقال الحياة تجارب يا بنتي، والضربة اللي متموتش بتقوي. إنتي دلوقتي معاكي شهادتك، وحقك في جيبك، وأبوكي لسه فيه صحة يقف في ظهرك.
مريم ضحكت وقالت له على فكرة، أنا قدمت على ماجستير في الحقوق هنا في جامعة الإسكندرية.. قررت أدخل مجالك، وعايزة أكون محامية شاطرة عشان أدافع عن أي حد مظلوم أو ضعيف ومش قادر يتكلم.
عينين مصطفى لمعت بالدموع والفخر، وبص للسما وقال في سره شايفة يا أنا؟ بنتك بقت قوية وزيك بالظبط.. أنا وفيت بوعدي.
وبعدين التفت لمريم وقال بضحكة صافية من ورايا؟ محامية حتة واحدة! طب يلا كلي الدرة عشان ورانا قضية تانية أهم بكتير.. لازم ننزل نشتري سمك ونعمل أحلى صينية غدا في البيت بمناسبة البداية الجديدة.
مشيوا سوا على الكورنيش، خطوة بخطوة، والأب حاطط إيده في إيد بنته، يسندها وتسنده، وسابوا وراهم ذكريات التجمع والغردقة والمخزن الضلمة.. وبدأوا صفحة جديدة بيضاء، ناصعة، وتحت حماية سيادة المحقق اللي أثبت إن حب الأب أقوى من أي قفل وسلسلة
تمت الحكاية بنجاح.