شماته في الموت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أ
أختي ضحكت أمام جثمان أمي المكشوف، ونظرت إليّ بازدراء وقالت بصوت مسموع أهو وصل رجل الحكومة الحافي.
ثم اقتربت مني لدرجة جعلتني أستنشق ريحة عطرها الفرنسي الثمين، وهمست في أذني جئت متأخراً جداً يا كريم.. كل ما يملك قيمة في هذا البيت صار ملكي وباسمي.
كنت قد ترجلت من سيارة خاصة قادمة من المطار العسكري قبل ست وثلاثين ساعة بالتمام والكمال.
وما زلت أرتدي ذات السترة العسكرية الرسمية المرفق بها شارات خدمتي، والتي تجعدت من طول مسافة الطيران والترحال.
حذائي العسكري كان يلمع.
وإرادتي كانت ثابتة وثقتي في ربي لا تهتز.
وفي جيب سترتي الأيسر، كان يربض ظرف مغلق بعناية مبعوث لي من محامي والدتي الخاص.. أمر لم تكن أختي تعلم عنه شيئاً بعد.
ليس بعد.
دار المناسبات في قريتنا بقلب صعيد مصر كانت غاصة بالناس، وجوه كثيرة لم تعتب عتبة دار أمي طوال عام مرضها الأخير ولم تكلف خاطرها بالسؤال.
كانوا يقفون تحت الضوء الأصفر الخافت، يتصنعون لوعة الحزن وسط باقات ورد خانقة، وفراش سرادق يمتص الخطاوي كأنه يكتم سراً لا يود إفشاءه.
أمي، الحاجة كريمة، كانت ترقد في صدر القاعة بكفنها الطاهر وعباءتها الكحلية التي أذكرها جيداً.
ارتدتها يوم حفل تخرجي من الثانوية بتفوق.
ويوم طابور تخرجي من الكلية الحربية وانضمامي لصفوف الرجال.
ويوم ذهبت معي بنفسها لتوثيق

أوراق الأرض في الشهر العقاري لتنقذ أرض جدي وبيت العائلة من البيع الإجباري.
بدت في مرقدها أصغر بكثير مما فارقتها.
وذلك المنظر أوجع قلبي أكثر مما توقعت.
الخدمة في جبهات القتال تعلّم الرجال كيف يضعون العواطف في صناديق مغلقة.
لكن حزن الفقد وموت الأمهات لا تجمعه صناديق.
أختي الكبيرة، وفاء، كانت تقف عند رأس الجثمان وكأنها تملك الدار ومن فيها.
حلق من اللؤلؤ في أذنيها.
معطف أبيض فاخر.
وحذاء أسود ذو كعب حاد كأنه نصل سكين.
وكان زوجها، مدحت، يقف خلفها مباشرة، يضع يداً فوق يد، وعلي وجهه تلك الابتسامة الباردة التي يرسمها الأثرياء حين يحاولون إخفاء ضجرهم في بيوت البسطاء.
وفاء كانت أول من لمحني وسط جمع المعزين.
تفحصت عيناها بدلتيت العسكرية، ثم حقيبة ظهري المستقرة عند قدمي، ثم استقرت نظرتها على ذلك الأثر الرفيع لندبة في فكي، تركتها شظية مقذوف أثناء مأمورية مداهمة خارج العريش.
ابتسمت.
ولم تكن ابتكار حب أو مواساة، بل كانت ابتسامة المنتصر الشامت.
وقالت بصوت جهوري التفتت له جنبات المكان أهلاً بالباشا.. أخيراً تذكرت أن لك عائلة وأم تستحق العودة لأجلها؟
ساد الصمت أرجاء القاعة تدريجياً.
أبناء عمومتنا كفوا عن الوشوشة.
خالتي نزلت منديلها عن عينيها وراقبت الموقف.
وحتى الحاج مرسي، شيخ تجار البلدة، أدار وجهه جانباً معلناً عدم رغبته
في التدخل في شؤون العائلة المعقدة.
تقدمت بخطوات ثابتة نحو جثمان أمي.
فاعترضت وفاء طريقي بغلظة.
وقالت لن أسمح لك بإثارة المشاكل والفضائح هنا أمام الناس.
اجبتها بهدوء جئت لألقي نظرة الوداع على أمي وأقرأ لها الفاتحة.
فقالت بل جئت طمعاً في الوصية والميراث.
ثبتُّ نظري في عينيها لثوانٍ طويلة.
مساحيق التجميل كانت تملأ وجهها بدقة، لكن كانت ثمة تجاعيد انكماش صغيرة عند طرف فمها.. علامات توتر وضغط نفسي واضح، وليست علامات انكسار للحزن واليسر.
قلت لها لم أكن أعلم حتى أن هناك مجلساً لقراءة الوصية اليوم.
وهذا كان حق الله.
فقد تلقيت رسالة نصية واحدة من رقم مجهول أثناء تواجدي في نقطة خدمتي الحدودية بالصحراء.
والدتك انتقلت إلى جوار ربها.. انزل فوراً.. ولا تتحدث مع وفاء أو تقابلها قبل أن تراني في مكتبي.. التوقيع المستشار شاكر، محامي والدتك.
رفعت وفاء رأسها بكبرياء زائف
بالتأكيد لن تعلم.. فأنت لا تحرك ساكناً إلا إذا صدرت لك الأوامر العسكرية من قيادتك.
أطلق زوجها مدحت ضحكة صفراء خافتة من خلفها.
لم تكن عالية.
لكنها وصلت مسمعي واضحة.
تلك الضحكة نفذت إلى وجداني وأشعلت في نفسي غضباً كظمتُه.. لقد رأيت رجالاً يضحكون هذه الضحكة المستخفة من قبل.. بالظبط قبل أن يرتكبوا حماقة الاستهانة بالرجل الخطأ ويدفعوا الثمن غالياً.
اقتربت وفاء أكثر
وقالت بنبرة مسمومة هل تدري ماذا قالت أمي وهي على فراش الموت في أيامها الأخيرة؟ قالت إنك ولد عاق تركتها وتخليت عنها.
شهقت خالتي بصوت مكتوم ووضعت يدها على صدرها.
أما أنا فلم أتحرك قيد أنملة.
ولم ترمش لي عين.
أمي كانت تكتب لي خطاً بيديها الطاهرتين كل يوم جمعة دون انقطاع، حتى ضعفت أصابعها وعجزت عن الإمساك بالقلم.
ورسالته الأخيرة وصلتني قبل وفاتها بثلاثة أسابيع فقط.
ولدي وقرة عيني كريم.. أوصيك بألا تفرط في قيراط واحد من الأرض التي سقاها جدك بعرقه ودمه.. انزل يا بني حين تسمح ظروف خدمتك.. أنا أعلم يقيناً لماذا رحلت عن البلدة وأعلم ما تحملته.. أنا فخورة بك يا ضنايا.
وفاء لم تكن تعلم شيئاً عن هذه الخطابات.
لم يكن أحد يعلم بالأساس.
لأن من قست عليه الأيام وعاش في خشونة العسكرية، يتعلم كيف يخفي مشاعره الغالية ولا يظهر مواطن لينه أمام من لا يستحق.
قلت لها بجفاء سأدخل لأرى أمي الآن.
وضعت وفاء أصبعين على صدري، فوق أزرار سترة البدلة الرسمية.
لم تكن دفعة قوية، بل كانت حركة مقصودة للتقليل من شأني وازدرائي.
كأنها توقف غريباً وتمنعه من تخطي عتبة بيتها.
وقالت لن تقف هنا برداء الشرف العسكري هذا لتمثل دور البطل المدافع عن العائلة.. أنت لم تكن موجوداً حين احتجناك.. أنا من تولى أمر الأطباء والمستشفيات، وأنا من أدار الشؤون، وأنا من
فض مجالس التركة والملك.
نظرت إليها وسألتها بنبرة حادة حقاً؟ توليتِ
تم نسخ الرابط