شماته في الموت حكايات صافي هاني
أن المرحومة كانت غائبة عن الوعي كاملة في التاريخ المكتوب على تلك الأوراق الزائفة.
فتح المستشار الظرف وأخرج منه وثيقة رسمية مختومة بختم النسر وهذه هي الوصية الحقيقية الموثقة في الشهر العقاري قبل مرضها.. والدتكم كتبت قريطي الأرض والمنزل الكبير باسم ابنها البار كريم، وأوصت بحرمان وفاء من أي إرث إضافي سوى ما يفرضه الشرع طالما أنها حاولت بيع أرض أجدادها لعائلة أخرى طلباً للمال.
ساد الصمت كأنه صمت القبور. نظرت إلى وفاء، فوجدت الدموع تنهمر من عينيها، ليست دموع حزن على أمها، بل دموع القهر والهزيمة بعد أن انفضحت ألاعيبها أمام قريتها بأكملها. سقطت حقيبتها الفاخرة من يدها، وتراجع زوجها مدحت يتبرأ من الموقف وينسحب ببطء بين الحشود.
اقتربت من أختي للمرة الأخيرة، ووضعت سبيحة أمي الأصلية ذات الشرخ الصغير في يدها، وقلت لها بنفس الهدوء الوقور الميراث الحقيقي ليس أرضاً ولا مالاً يا وفاء.. الميراث هو رضا الأم ودعواتها التي ستبقى تحرسني في جبهات القتال، أما أنتِ.. فخذي أوراقك المزورة، واخرجي من بيت أمي، فلا مكان للخائنين في مجالس الرجال.
خرجت وفاء من الصوان تجر أذيال الخيبة ووراءها زوجها يداري وجهه من نظرات الناس اللى بقت كلها احتقار وعتاب، وانفض العزاء بوقار يليق بمقام الحاجة كريمة، ودفنّاها ودعينا لها بالثبات والرحمة.
بعد ليلتين، وأنا جالس في صالون بيت العائلة الكبير، وسط هدوء ريفنا وصوت الأذان اللي بيرد الروح في
فتحت الباب، لقيت وفاء واقفة، لكن المرة دي مكنش فيه بالطو أبيض ولا حلق لولي ولا كبرياء زائف. كانت لابسة عباية سوداء بسيطة، مكسورة العين، وباين على وشها قلة النوم والهم.
وقفت على عتبة الباب ومستنتش إني أمنعها، وقالت بصوت مخنوق بالدموع سامحني يا كريم.. الشيطان أعمى عيني، ومدحت هو اللي وزّني وقالي أخوكِ في الجيش ومش هيرجع، والأرض دي لو اتباعت هتنقلنا في حتة تانية.. أنا خسرت كل حاجة، خسرت أمي ورضاها، وخسرت مقامي وسط الناس، وحتى جوزي ساب البيت وطلب الطلاق عشان يهرب من الفضيحة.. متدمرنيش بالبلاغ والقضية يا بني، أنا أ
خرجت وفاء من صوان العزاء وهي تجر أذيال الخيبة، يسبقها زوجها مدحت الذي لم يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة ليواسيها، بعد أن صاروا حديث البلدة كلها في دقائق معدودة.
التفتُّ إلى المستشار شاكر وأنا أحبس عبرة كادت تفر من عيني، فربت على كتفي بحنو وقال البركة فيك يا كريم يا بني، أنت الآن سند هذا البيت، قم بواجبك تجاه والدتك، وللحديث بقية في دارها.
توجهنا بالجثمان الطاهر إلى مسجد القرية الكبير، وحملت نعش أمي فوق كتفي مع أبناء عمومتي المخلصين، وشيعناها إلى مثواها الأخير وسط دعوات أهل البلدة بالرحمة والمغفرة. تمنيت في تلك اللحظات لو أن أختي كانت بجانبي، تشاركني هذا المصاب بقلب صادق، لكن الطمع أعمى بصيرتها وفصل بيننا حبل الرحم.
بعد انقضاء مراسم الدفن وتلقي العزاء عند المقابر، عدت برفقة عمي
جلسنا في صالون البيت، ففتح المستشار شاكر حقيبته مجدداً وأخرج منها دبلة أمي ومحبس أبي والسلسلة الذهبية، ووضعها أمامي على الطاولة وقال بوقار هذه أمانتك يا ولدي، وهي أغلى ما تملك، أما بخصوص الأرض والمنزل، فالأوراق الرسمية كلها جاهزة ومسجلة باسمك، والقضية التي رفعناها لإبطال عقود وفاء المزورة ستنتهي لصالحنا في أول جلسة بفضل التقرير الطبي لحالة والدتك الصحية.
نظرت إلى الذهب ثم إلى المستشار شاكر وقلت بصوت هادئ يا سيادة المستشار، أنا رجل عسكري، طالما كان همي الشرف والخدمة لحماية هذا الوطن، ولم تكن الأرض أو المال غايتي يوماً.. أمي كتبت كل شيء باسمي لأنها كانت تعلم أن وفاء وزوجها سيبيعون تراب أجدادنا للغرباء.
صمتتُ قليلاً، ثم تابعت أنا لن أظلم أختي رغم كل ما فعلته، ولن أخالف شرع الله وسنة رسوله.. وفاء ستحصل على نصيبها الشرعي من الميراث كما أقر الإسلام، قيراطاً بقيرط وسهماً بسهم، لكن دون أن تلمس شبراً واحداً من أرض جدي، سأشتري نصيبها بمالي الخاص وأعطيها حقها كاملاً لتذهب وتعيش في مكان آخر، أما هذا البيت والأرض.. فسيظلان يحملان اسم أبي وأمي، ولن يباعا ما حييت.
تهللت أسارير المستشار شاكر وعمي، وقال عمي وعيناه تدمعان أشهد بالله أنك ابن أصول يا كريم، وأن الحاجة
وفي تلك الأثناء، سُمعت طرقة خفيفة على باب الصالون. التفتنا جميعاً، فإذا بوفاء تقف عند العتبة، وقد زالت عنها غطرستها تماماً، وبدت منكسرة، وعيناها حمراوان من البكاء والندم. نظرت إليّ باستحياء وقالت بصوت متحشرج هل تسمح لي بالدخول يا كريم؟
أومأت لها برأسي فدخلت وجلست على طرف المقعد مطأطئة رأسها. التفتت إليّ وقالت أنا أعتذر منك يا أخي.. أعتذر أمام عمي وأمام المستشار.. لقد أعمى الطمع عيني، وانسقت وراء كلام مدحت الذي تبرأ مني وتركني بمجرد أن انكشف الأمر.. أنا لا أطلب الأرض ولا المال، أنا فقط أطلب سماحك وسماح أمي في قبرها.
قمت من مقعدي، وتقدمت نحوها، ثم مددت يدي ووضعت فيها السلسلة الذهبية الخاصة بأمي وقلت لها بنبرة وقورة تحمل حنان الأخ
وعزة الضابط هذه السلسلة تحمل رائحة أمي ورضاها، خذيها لتذكرك دائماً بالحق والعدل.. حقك الشرعي في الإرث سيصلك كاملاً دون نقصان، فنحن لا نأكل حق امرأة ولا نظلم أحداً، لكن الدار والأرض خط أحمر لا يقرب.. اذهبي يا وفاء، وسامحك الله، وباب هذا البيت سيبقى مفتوحاً لكِ كأخت، طالما عرفتِ حدودكِ وحفظتِ غيبتنا.
انفجرت وفاء بالبكاء وقبلت رأسي شاكرة، وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن روح أمي تحلق في أرجاء الصالون راضية مطمئنة.. لقد عادت الأرض لأصحابها، وحُفظت هيبة العائلة، وخرجتُ من هذه المحنة ثابتاً كما كنت دائماً في جبهات القتال، خادماً للحق،