شماته في الموت حكايات صافي هاني
المحتويات
كل شيء بمفردك؟
برقت عيناها فجأة واهتزت نظرتها الثابتة.
ها هي ذا.. السقطة الأولى والخطأ الأول وسط ادعائها.
قالت بحدة نعم، كل صغيرة وكبيرة دون نقصان.
أومأت برأسي مرة واحدة موافقاً.
ثم تحركت متجاوزاً إياها.
فأمسكت بطرف كم سترتي العسكرية لتمنعني.
رأى بعض الأقارب الحاضرين تلك الحركة.
تركت يدها مستقرة فوق كم السترة لبرهة، حتى التفتت أنظار من في القاعة بالكامل وصار الجميع يراقبنا.
ثم خفضت عيني ونظرت إلى أصابعها القابضة على بدلتي الميرية بنظرة آمرة.
فارتجفت يدها وسحبتها في الحال خوفاً من عاقبة فعلتها.
تقدمت حتى وقفت أمام جثمان أمي الغالية.
وفي تلك اللحظة، اختفى كل من في الدار من مخيلتي.
فلا أخت هناك، ولا وشوشات عابرة، ولا ريح باقات الورد، ولا هيبة المكان.
لم يعد في الوجود إلا أمي وبس.
حنيت رأسي وقبلت جبينها وهمست لقد وصلت يا أمي.. أنا بجانبك الآن.
خرج صوتي متهدجاً.. بالكاد استطعت حبس غصته في حلقي.
وفجأة، لمحت سبحة من الفضة الرخيصة موضوعة بين كفيها المغسولين.
ولم تكن هذه سبحتها المعهودة التي أعرفها منذ صغري.
سبحة أمي الأصلية كان بها شرخ صغير في ظهر إحدى الخرزات، منذ اليوم الذي أوقعتها فيه وأنا طفل صغير ورحت أبكي، فضمتني إلى صدرها وقالت لي هذا الكسر يا كريم هو الدليل على أن هذه الشيء نال
هذه السبحة الموضوعة الآن كانت جديدة تماماً.
تجاري رخيصة، وذات بريق زائف بزيادة.
التفت برأسي ونظرت لوفاء.
كانت واقفة تراقبني وعيناها متسعتان من القلق.
والابتسامة الشامتة اختفت من وجهها بالكامل وحل محلها الوجل.
عدت بنظري لجثمان أمي وتأملت يديها، فصدمتني حقيقة أخرى غاية في البشاعة والجرأة.
دبلة زواجها الذهبية لم تكن في إصبعها.
ومحبس أبي الفضي والسلسلة التي كانت تطوق عنقها طوال اثنين وعشرين عاماً، لم يكن لهما أي أثر.
تلك السلسلة التي لم تكن تفارق جيدها في أي صورة شخصية التقطت لها منذ أن توفاه الله انكساراً وحزناً على فراقه...
نظرت إلى معصميها وجسدها الطاهر المسجى، وكان الغضب في صدري يغلي كمرجل، لكن عيني ظلت مثبتة على مكان السلسلة المختفية. التفتُّ بكامل جسدي نحو وفاء، وتقدمت نحوها بخطوات بطيئة هادئة، ولأول مرة رأيت الرعب الحقيقي يرتسم في عينيها. تراجعت خطوة إلى الخلف وكأنها رأت ملك الموت.
همست لها بصوت منخفض لم يسمعه غيرها، لكنه كان كفيلاً بأن يجمد الدم في عروقها دبلة أمي ومحبس أبويا والسلسلة الذهب.. أين ذهبوا يا وفاء؟
تلعثمت، وحاولت أن تستجمع كبرياءها الزائف وتداري ارتباكها، فقالت بصوت مرتعش أنا.. أنا شلتهم في الحفظ والصون حتى لا يضيعوا وسط زحام الجنازة والمستشفى.
في تلك اللحظة، تقدم مدحت زوجها يحاول التدخل وفرض شخصيته، ووضع يده على كتفي قائلاً بنبرة تملؤها الغطرسة اسمع يا كريم.. نحن لسنا في معسكرك العسكري هنا، تآدب وأنت تتحدث مع زوجتي، والأفضل لك أن تأخذ حقيبتك وترحل من حيث جئت، فليس لك مكان وسطنا.
التفتُّ إليه ببطء، ونظرت إلى يده الموضوعة على كتفي بنظرة حادة جعلته يسحب يده تلقائياً وكأنه لمس جمرة نار. قلت له بنبرة هادئة وقاتلة مدحت.. الزم حدودك ولا تتدخل في أمر يخص أولاد الأصول، وإلا أقسم بالله العظيم سأعلمك الأدب الذي فاتك في بيتك أمام هذا الجمع كله.
تراجع مدحت خطوتين للخلف ولم ينطق ببنت شفة. التفتُّ للجميع في صوان العزاء، ورفعت صوتي بوقار وهيبة هزت أرجاء المكان يا جماعة الخير.. شكر الله سعيكم جميعاً، قراءة الفاتحة والدعاء لوالدتي في المسجد بعد قليل، أما الآن.. فأنا أدعو كبار العائلة والمحامين للحضور معي في صالون البيت فوراً.
نظرت وفاء إليّ بذهول وقالت بسخرية ممزوجة بالخوف محامين؟ صالون البيت؟ عن أي بيت تتحدث يا كريم؟ هذا البيت والأرض وكل ما تراه عينك صار ملكي بموجب عقود بيع وشراء رسمية وقعت عليها أمي قبل وفاتها بأشهر.. ليس لك هنا قيراط واحد لتتحكم فيه.
لم أجبها، بل أخرجت من جيب سترتي العسكرية الأيسر ذلك الظرف
حين رأته وفاء، شحب وجهها تماماً وتغيرت ألوانها، ونظرت إلى زوجها مدحت الذي بدا وكأنه تلقى صفعة على وجهه.
تقدم المستشار شاكر وصافحني بحرارة، وعيناه تفيضان بالدموع، وقال البقاء لله يا كريم يا بني.. حمد الله على سلامتك، لقد نفذت وصية والدتك بالدقة التي طلبتها، وانتظرتك حتى تطأ قدمك أرض الوطن.
التفت المستشار شاكر لوفاء وزوجها، وأخرج من حقيبته دبلة أمي ومحبس أبي والسلسلة الذهب، ووضعها في يدي قائلاً الحاجة كريمة رحمها الله تركت هذه الأمانة في مكتبي قبل وفاتها بشهرين، لأنها كانت تعلم يقيناً أن هناك من سيمد يده على جسدها الطاهر ليسرقها وهي في غيبوبتها.
شهق الحاضرون في الصوان، ونكست وفاء رأسها من الخزي، لكن المفاجأة الأكبر لم تكن هنا بعد.
أمسك المستشار شاكر بالظرف الذي في يدي وقال بصوت جهوري سمعه كل من في السرادق بصفتي الوكيل القانوني للحاجة كريمة Carter، أعلن للجميع أن كل العقود والتنازلات التي تدعي السيدة وفاء امتلاكها هي عقود باطلة ومزورة، وقد قمنا بتسجيل قضية
متابعة القراءة