رجعت البيت بدري حكايات صافي هاني
المحتويات
غايب.
هناء وصلت بعد ثلث ساعة.. شعرها كان متبهدل، الكحل سايح على وشها، وبلوزتها مكرمشة كأنها لبست وهي بتجري في الشارع. رمت نفسها عليا بكل عزمها لدرجة إني ساندتها بالعافية عشان متقعش.
رأفت.. بنتي فين؟ هي عايشة؟
قولتلها في العمليات.. بيحاولوا يشيلوا النزيف والضغط اللي على المخ.
طلعت صوت.. عمري في حياتي ما سمعته منها قبل كدة.. صوت شرخ من قلبها.
رئيس المباحث، الرائد شريف، وصل الساعة ستة وسبعة بالليل، كان لابس جاكت بني ريحته سجاير ومطر..وبص على طرقة المستشفى، وبص في نوتة صغيرة في إيده كأن الإجابة مطبوعة فيها من قبل ما ييجي.
قال شكلها كدة سرقة وتثبيت.
بحلق في وشه سرقة؟
حصل كذا واقعة سرقة في المنطقة اليومين دول.. حظها وحش وفي المكان الغلط، البنت غالباً فاجأتهم وهم بيسرقوا.
دي كانت جوة بيتها!
أنا مقدر ظروفك وحالتك.
في اللحظة دي عرفت إنه مش هيعمل حاجة، وإنه حمار مش فاهم حاجة.
تقرير الشرطة هيقول محاولة سرقة بالإكراه.. وتقرير المستشفى هيقول ارتجاج وإصابة بآلة حادة.. وشركة الأمن هتقول بعدين إن إنذار البيت اتفصل الساعة تلاتة وستة وأربعين دقيقة العصر، بالرقم السري بتاع البيت.
الإنذار ما اتكسرش.. ما اتلعبش فيه.. مفيش غريب خمنه.
الرقم دخل صح.
نفس الرقم اللي هناء بتستخدمه.. نفس
وقفت في طرقة المستشفى تحت اللمبات الفلورسنت البيضا الساقعة، ودم بنتي لسه مغرق لبسي، وبصيت ورايا على الظابط وهو لسه عمال يرغي عن سرقات البيوت اللي في المنطقة.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت من غرفة العمليات وفي إيدها كيس بلاستيك شفاف بتاع الأحراز، جواه شنطة مدرسة ياسمين.. وجوه الجيب الأمامي المقطوع، كان فيه حاجة متخصهاش.. حاجة مش بتاعتها.
ولأول مرة في اليوم ده كله، فهمت الحقيقة.. الناس اللي عملوا كدة مكسروش باب بيتي.. دول دخلوا برضا نفس.. دول كانوا معزومين.
مسكت الكيس البلاستيك من إيد الممرضة وأنا إيدي بتترعش، بس عيني كانت متبتة على اللي جوه الجيب. كانت ولاعة فضة غالية، ومحفور عليها حرفين بالإنجليزي M. K..
الولاعة دي مش غريبة عليا. أنا شفتها قبل كدة.. شفتها محطوطة على طرابيزة الصالون في بيتنا من أسبوع واحد بس، لما كان مصطفى كامل، ابن خالة هناء، قاعد عندنا بياكل ويشرب ويضحك مع ياسمين ويقولها يا بت ده أنا خالك، ورقبتي سدادة في أي خدمة.
شريط الكاميرا رجع في دماغي بسرعة الصاعقة. مصطفى كان الوحيد اللي جه البيت الأسبوع اللي فات، والوحيد اللي هناء ملته الرقم السري بتاع الإنذار والباب
الدم غلى في عروقي، والنفس اللي كان هربان مني رجع بس محمل بنار. بصيت لهناء اللي كانت منهارة في الأرض، ومسكتها من كتافها جامد لدرجة إنها انتبهت لي وسط دموعها.
هناء.. مصطفى ابن خالتك فين دلوقتي؟
بصتلي باستغراب وهي بتشهق مصطفى؟ معرفش.. كان بيقول وراه مشوار مهم العصر.. في إيه يا رأفت؟
مردتش عليها. سبتها تقع تاني على الكرسي، ولفيت ضهري للظابط اللي كان لسه بيرغي مع المساعد بتاعه. مش رأفت اللي هيستنى حتة ورقة من النيابة عشان يجيب حق بنته، ومش أنا اللي هقعد أعيط قدام باب العمليات والكلاب اللي نهشوا لحم بنتي بيصرفوا الفلوس اللي سرقوها.
خرجت من المستشفى والجو كان بدأ يسقع. ركبت عربيتي، ودست بنزين بكل عزمي. طول الطريق، مكنش في دماغي غير منظر ياسمين والدم مغرق شعرها. البنت دي أنا شلتها على إيدي وهي لحمة حمرا، البنت دي كانت بتخاف من خيالها، إزاي جالهم قلب يمدوا إيدهم عليها؟ إزاي مصطفى اللي واكل عيش وملح في بيتنا يدخل بيتي ويفتح الباب لصحابه الأوباش عشان يسرقوا دهب أمها، ولما البنت تلمحهم ويمسكوا فيها عشان متفضحهمش، يضربوها بالغل ده كله؟
الساعة جت حداشر بالليل لما وصلت تحت البيت القديم اللي مصطفى مأجره في منطقة ورا الدائري. البيت كان حتة
ركنت العربية بعيد، ونزلت. مكنش معايا سلاح ميري، بس خرتوشة الصاعقة اللي جوايا كانت كفاية. خمسطاشر سنة في الخدمة علموني إزاي أدخل مكان من غير ما حد يحس بيا، وإزاي أخلي ضلي يسبقني ويموت قلب اللي قدامي قبل ما يشوفني.
طلعت السلم خطوة خطوة، زي القطة. الشقة كانت في الدور الثالث. وقفت ورا الباب.. وسمعتهم.
كانوا ثلاثة. أصواتهم عالية، ضحك مسطول، وريحة الحشيش طالعة من تحت عقب الباب.
يا عم قولتلك البت غابت عن الوعي مش هتنطق، وبعدين رأفت ده طول عمره برة مصر في مأموريات، زمانه لسه ميعرفش أصلاً. ده كان صوت مصطفى.
وجات إجابة من واحد تاني بصوت غليظ بس الواد كيمو غبى، قعد يضرب فيها بالبونية لحد ما وشها اتمسح، كان كفاية زقة وتكتيف وخلاص.
رد الثالث بضحكة وسخة أهو اللي حصل بقى، المهم قسِّم الغويشتين دول وخلينا نغور من هنا قبل ما الصبح يطلع.
في اللحظة دي، مابقاش فيا حتة عاقلة. رجعت خطوتين لورا، وبكل عزمي، اديت الباب خبطة ببيادتي طيرت القفل بالحيطة اللي حواليه. الباب اترزع في الأرض، ودخلت وسط عفار التراب زي ملك الموت.
الثلاثة تنططوا من أماكنهم، عيونهم وسعت من الصدمة، والسيجارة وقعت من إيد مصطفى.
رأفت؟!.. مصطفى نطقها وصوته اتقطع في حنجرته.
الواد
متابعة القراءة