رجعت البيت بدري حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

على مطواة كانت على الطرابيزة. قبل ما صباعه يلمس الخشب، كنت عنده. مسكت إيده لويتها لورا لحد ما سمعت صوت طقطقة العضم وهو بيتكسر، واديته ركبة في بطنه جاب كل اللي في جوفه، ووقع على الأرض بيكح دم.
الثاني حاول يجري ناحية البلكونة، سحبته من قفاه ورزعته في الحيطة لدرجة إن برواز قديم وقع اتدغدغ فوق دماغه، ففقد النطق والحركة.
فضلت أنا ومصطفى.
كان واقف ورا الطرابيزة، ركبه بتخبط في بعضها، ووشه بقى أصفر زي الليمونة. رأفت.. والنعمة أنا مالي.. هم اللي سحبوني.. أنا مكنتش أعرف إنهم هيعملوا كدة في ياسمين.. أنا غلبان يا رأفت.. أبوس إيدك!
قربت منه خطوة.. خطوة واحدة خلت صرخته تطلع مكتومة. مسكته من رقابه ورفعته لفوق لحد ما رجليه سابت الأرض. بصيت في عينه، وقولتله بصوت واطي ومخيف، صوت مفيش فيه أي رحمة
نزلت بيه على الطرابيزة الإزاز دغدغتها تحت ضهره. قعد يصرخ ويستعطف، بس أنا مكنتش سامع. افتكرت ياسمين وهي متكومة في الطرقة، وافتكرت ضوافرها اللي مليانة دم وهي بتعافر.
مسكته وفضلت أضرب فيه بكل الغل اللي في قلبي، بكل قهر الأب اللي شاف بنته بتموت، لحد ما بقاش ينطق، وبقى يادوب بيرفص تحت إيدي زي الفراخ.
الساعة كانت تنين بعد نص الليل لما نزلت من البيت. هدومي كانت متبهدلة، وإيدي مليانة دم جديد.
. بس المرة دي مكنش دم ياسمين. ده كان دم الكلاب اللي فكروا إن البيت ملوش راجل.
ركبت عربيتي ورجعت المستشفى. دخلت الطرقة، كانت هناء قاعدة بتعيط في صمت، والدكتور لسه خارج من الأوضة وبيشيل الكمامة من على وشها.
جريت عليه يا دكتور.. بنتي؟
الدكتور بص في الأرض، وتنهد، وبعدين بصلي وقال الحمد لله.. النزيف وقف، والعملية نجحت.. هي عديت مرحلة الخطر، بس هتحتاج وقت.
وقعت على الكرسي، وغمضت عيني، ولأول مرة من ساعات، حسيت إني قادر أتنفس. حقك رجع يا ياسمين.. والكلاب خدوا جزاءهم، والبيت اللي دخلوا يسرقوه.. طلع جواه جيش مبيجليش.
فات يومين وأنا قاعد على الكرسي الخشب جنب سرير ياسمين في الرعاية المركزة. كانت نايمة، والجهزة حواليها بتصفر بصوت منتظم، وشها بدأ يهدأ والورم يخف شوية، بس لسه الخراطيم والشاش مغطيين نص جسمها. هناء كانت قاعدة الناحية التانية، ماسكة إيد بنتها وبتبكي في صمت، وكل شوية تبصلي بنظرة كلها خوف وعلامات استفهام.. هي شافت إيدي المتبهدلة وجواكتي اللي اتملت دم جديد، وعرفت إن رأفت بتاع زمان، الظابط اللي مبيرحمش لما يتقلب، رجع تاني.
على الساعة أربعة العصر، الباب خبط ودخل الرائد شريف، رئيس المباحث.
بصلي بنظرة غريبة، نظرة فيها احترام على خوف، ومبقاش فيه النبرة الباردة بتاعة
أول يوم. قالي بصوت واطي حمد الله على سلامتها يا فندم.. الدكتور طمنا برة.
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
شريف قرب مني خطوة ووطى صوته أكتر احنا لقينا مصطفى كامل وصحابه.. أو اللي باقي منهم بمعنى أصح. التلاتة مرميين في شقة ورا الدائري، حالتهم تصعب على الكافر، كسور ونزيف وارتجاج.. والواد اللي اسمه كيمو ده مش هيقف على رجله تاني. نقلناهم المستشفى تحت حراسة مشددة.
بصيت له في عينه ومردتش.
شريف اتنهد وكمل العيال اعترفوا بكل حاجة من قبل ما نسألهم.. كانوا مرعوبين وكأنهم شافوا عزرائيل. مصطفى أقر إن هو اللي سرق المفتاح وسجل الرقم السري عشان يسرقوا الدهب والفلوس اللي في الخزنة، ولما ياسمين فاجئتهم، الواد التاني ضربها. الصيغة والفلوس رجعوا ولقيناهم في الكيس بتاعهم.. والقضية كدة قفلت جناية سرقة بالإكراه وشروع في قتل.
سكت ثانية، وبعدين حط إيده على كتفي وقال يا سادة العقيد.. المحضر اتكتب إن العيال اتقلبوا ببعض واتخانقوا على تقسيم الغنيمة وعوروا بعض بالغل ده.. مفيش اسم تاني اتكتب في المحضر. إحنا ولاد كراسة واحدة ونعلم تماماً يعني إيه عرض وضنا.. حمد الله على سلامة بنتك، وحقها هيجي بالقانون وزيادة.
هزيت راسي وقولتله شغلكم نظيف يا شريف.. متشكر.
مشى الرائد شريف، وقفت أنا على رجلي وبصيت
من شباك الأوضة على الشارع برة. الشمس كانت بتغيب، والهدوء بدأ ينزل على الدنيا.
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ضعيفة من السرير.
لفيت بسرعة. ياسمين كانت بتفتح عينيها بتثاقل، عيونها الدبلانة دارت في الأوضة لحد ما جت عليا. حاولت تبتسم من تحت جهاز الأكسجين، وطلعت صوت مبحوح يادوب يتسمع بابا.. أنت جيت؟
دموعي اللي حبستها طول عمري في وسط النار والحروب نزلت لأول مرة. جريت عليها ومسكت إيدها الصغيرة اللي دافعت عن شرف بيتنا، وبست دماغيها وقولتلها جيت يا قلب بابا.. جيت ومش همشي تاني أبدًا.
الخونة نالوا جزاءهم في الدنيا، وقريب القضاء هيحط حبل المشنقة حوالين رقابيهم. والوحوش اللي افتكروا إن البيت ملوش راجل، عرفوا إن فيه بيوت جدرانها من حديد.. واليوم ده، الحرب خلصت، والأب رجع لبيته، والكلاب ماتت في جحورها.
بعد أسبوعين كاملين، ياسمين خرجت من المستشفى على رجليها. الشارع كله كان واقف مستنينا.. جيرانا، عم أحمد اللي كان بيرش المية، والستات اللي في البيوت حوالينا، كلهم كانوا واقفين يزغردوا ويرشوا ملح، وكأن البنت اتولدت من جديد.
البيت رجع ياسمين فيه الروح، بس مكنش ينفع نعدي يوم من غير ما نشكر ربنا على النجاة وعلى الستر. في أول جمعة بعد رجوعها، عملنا عقيقة كبيرة، ودبحنا وفدينا دمها، وأكلنا
المنطقة كلها.. الغلبان قبل
تم نسخ الرابط