رجعت البيت بدري حكايات صافي هاني
القريب. طول اليوم وأنا باصص لبنتي وهي قاعدة وسط صحابها، الخضار بدأ يرجع لوشها، والضحكة اللي كانت غايبة رجعت تنور مكانها تاني.
هناء مكنتش بتمشي من جنبها، كأنها بتعوض أيام الخوف اللي عاشتها، بس نظرتها ليا اتغيرت.. بقت تبصلي بأمان حقيقي، أمان الست اللي عارفة إن وراها ضهر وسند لو الدنيا كلها اتهدت، مش هيتهد.
بعد ما الناس مشيت والليل دخل، قعدت أنا وياسمين في البلكونة والجو كان هادي ونسمة الهوا رطبة.
بصتلي وقالت بصوت هادي بابا.. أنا كنت خايفة أوي وقتها، الشقة كانت ضلمة وهم كانوا وحشين أوي.. بس عارف؟ أنا كنت متأكدة إنك هتيجي.
طبطبت على إيدها وقولتلها أنا دايماً هاجي يا ياسمين.. لو بيني وبينك بلاد بحور وجبال، أول ما تتوجعي هتلاقيني واقف في ضهرك. أنا عشت عمري كله بحارب برة عشان اللحظة اللي أحميكي فيها جوة بيتك.
ابتسمت وحطت رأسها على كتفي.. وفي اللحظة دي حسيت إن خرتوشة الحرب اللي جوايا هديت، وإن
أما بالنسبة للكلاب.. فالقانون مكنش أرحم مني. الرائد شريف بعتلي كلمة مع واحد من رجالته.. القضية اتحولت جنايات سريعة، وبسبب التقرير الطبي وشهادة ياسمين والاعترافات التفصيلية، المحكمة حكمت على كيمو والثاني بالمؤبد، أما مصطفى.. اللي خان العرض والدم وقرابة الرحم، ف القاضي مأخذوش بيه أي رأفة، ولبس البدلة الحمراء وصدر حكم بإعدامه عشان يكون عبرة لكل نذل بيفكر يخون أهله.
أنا دلوقتي قاعد في صالة بيتي، بنور ربنا والقرآن شغال في الخلفية، وياسمين بتذاكر على نفس الطرابيزة وهي بتشرب الليمونادة بتاعتها، والإنذار شغال.. بس المرة دي برقم جديد تماماً، رقم ميعرفوش غير أهل البيت اللي بجد.
الوحوش حاولوا يطفوا نوري.. بس نسوا إنهم دخلوا عرين الأسد وهو صاحي. وحق بنتي رجع، وبيتي رجع أمان.. والحمد لله رب العالمين.
عدى الصيف ودخلنا في الخريف، والحياة بدأت تاخد
ياسمين رجعت مدرستها، بس المرة دي مكنتش البنت الخايفة اللي أي حاجة بتهزها.. الصدمة اللي عاشتها، ورجوع حقها في ثواني، خلوا جواها قوة وثقة في نفسها وفي أبوها مالهاش حدود. بقت تمشي ويدها في يدي، رأسها مرفوعة لفوق، وعارفة إنها بنت راجل عمل اللي ميعملوش حد عشان خاطر عيونها.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعد في مكتبي، جالي تليفون من الرائد شريف.
رأفت بيه، حبيت أبلغك بنفسي.. حكم الإعدام على مصطفى كامل اتنفذ انهارده الفجر في سجن الاستئناف.
سكتت ثانية، ونفست طويل، وقولتله ربنا عادل يا شريف.. والجزاء من جنس العمل.
قفل الخط، وحسيت إن في حمل تقيل أوي انزاح من على صدري. القصاص العادل طهر الأرض من نذل خان الأمانة والرحم.. وكل كلب فكر يستقوى على ولايا، لقى نهايته في حبل المشنقة.
رجعت البيت يومها بدري برضه، بس المرة دي وأنا شايل في يدي شنطة فيها
أول ما فتحت الباب بالمنور الجديد، شميت ريحة الأكل الطاحن اللي هناء عاملاه، وسمعت صوت ياسمين وهي بتضحك وتتكلم في التليفون مع صاحبتها.
بصيت للطرقة اللي شهدت أصعب لحظة في عمري، لقيتها منورة ونضيفة، والزرع الأخضر محطوط في جوانبها.. الطرقة اللي سال فيها دم بنتي، ان غسلت ب طهر ونور وفرج من ربنا.
قعدنا كلنا على الطبلية ناكل ونضحك، وبصيت لمراتي وبنتي وقولت في بالي خمسطاشر سنة في الجيش والصاعقة، وفي الآخر.. أعظم معركة وأعظم نصر حققته في حياتي، كان هنا.. بين جدران بيتي، لما قدرت أحمي عيلتي وأرجع ليهم الأمان.
الليل دخل، والبيوت في الشارع بدأت تقفل أبوابها، وأنا قفلت بابي والإنذار شغال، ونمت.. نمت لأول مرة من سنين طويلة من غير ما أخاف من الضلمة، ومن غير ما أحس إن في غدر مستنيني ورا الباب.
الأسد في عرينه، وأهل بيته في أمان الله ورعايته.. والحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً