افترا حما 2 حكايات صافي هاني
نطيت من على الكنبة والشنطة في إيدي، وبصيت لرامي وأمه بنظرة هسّكتتهم تمامًا.. نظرة هدوء ما قبل العاصفة.
سحبت إيد سيف ومشيت، ورامي صوته كان جايب آخر الشارع وهو بيزعق من البلكونة: "اطلعي بره ومتورينيش وشك تاني.. وبكره ترجعي تبوسي الجزم عشان لقمة العيش!"
أنا ماردتش.. ركبت تاكسي ورحت على شقة إيجار كنت مجهزاها من فترة تحسبًا لليوم ده، ونيمت سيف في حضني وأنا بحسس على شعره، وببص في الساعة.. فاضل كام ساعة والبنوك تفتح، والشركات تبدأ شغلها، واللعنة اللي طبختها على نار هادئة تنزل فوق دماغهم.
على الساعة 9 الصبح بالظبط، كنت قاعدة في البلكونة بشرب قهوتي وروحي رادة لي، وسيف جنبي بياكل فطار نضيف ويضحك.. وفجأة، التليفون بدأ ينتفض على الترابيزة.
رنات ورا رنات.. رامي.. حماتي كريمة.. أخته مروة.. وحتى جوز أخته!
سيبتهم يرنوا لحد ما فصل، وفجأة بدأت الرسايل تنزل زي المطر.. فتحت رسالة صوتية من رامي، صوته كان طالع منها مرعوب، بيترعش، والفرعنة والغرور بتوع بالليل اتمسحوا تمامًا.. كان بيبكي!
"لورين.. أرجوكي ردي عليا! البنك حجز على المعرض والبضاعة، والشيكات
شربت بق من القهوة، ودوست على زرار تسجيل الصوت، وقولتله ببرود قاتل: "مش إنتوا قولتوا إني مش من العيلة بجد، ووظيفتي بس أجيب الفلوس والفضلات كتير عليا؟ أديني خدت فلوسي ومشيت.. اشبعوا بقى بأصلكم وبيتكم.. وخلوا قشر الاستاكوزا ينفعكم."
قفلت السكة، وشيلت خط التليفون كله ورميته في الزبالة.
بصيت لسيف وقولتله بابتسامة: "جاهز يا بطل نروح الملاهي؟"
نط من الفرحة وهو بيحضني.. وأنا لأول مرة من سنين طويلة خدت نفس طويل ونضيف، وأنا عارفة إن المملكة الصفيح اللي بنوها بدمي وشقايا.. اتدغدغت فوق دماغهم مية حتة، زي الطبق اللي رميته تحت رجليهم بالظبط.
بعد ما قفلت السكة، نزلت مع سيف ورحنا أكبر ملاهي، كنت شيفاه بيجري ويضحك وفرحان، وكأن الهم اللي كان كاتم على نفسه في البيت ده انزاح تمامًا. لأول مرة أحس إن الفلوس اللي بطفح فيها الدم ليها طعم، لما اتصرفت على ضحكة ابني، مش على ناس بتاكل خيري وتدعي عليا.
فات
أول ما الشبكة لقطت، التليفون كان هيفرقع من كتر الإشعارات ورسايل الواتساب.. رسايل من طوب الأرض؛ قرايب رامي، وأصحابه، وناس معرفهمش، كلهم بيترجوني أتدخل.
فتحت رسالة من "منى" كانت كاتبة لي فيها: "لورين، إنتِ فين؟ رامي اتقبض عليه في القسم بقاله 24 ساعة بسبب شيكات الموردين اللي ملهاش رصيد، وأمه كريمة باعت غوشتين من دهبها عشان تدفع كفالة وتخرجه على ذمة القضية، والمعرض بتاع العربيات اتقفل بالشمع الأحمر!"
في نفس اللحظة، لقيت رقم رامي بيرن.. فتحت الخط من غير ما أنطق ولا كلمة، وسبته هو اللي يتكلم.
صوته كان مكسور، صوته صوت واحد اتهان وداق الذل اللي كان بيسمهوني كل يوم.
"لورين.. أنا واكل في القسم عيش وحلاوة بقالي يومين.. أنا اتمهزأت يا لورين.. الموردين ميرحموش، والبنك سحب مننا الشقة اللي كنا قاعدين فيها لأنها كانت بضمان الوديعة اللي إنتِ سحبتيها.. إحنا في الشارع.. أرجوكي، عشان خاطر سيف، بلاش عشاني، فكي الحظر عن الحسابات وأنا
سكت ثواني، وسمعت صوت حماتي "كريمة" من جنبه في التليفون وهي بتعيط وتشهق وتدعي: "سامحينا يا بنتي.. حقك عليا.. إنتِ ست البيت وست راسي.. إحنا ملناش غيرك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكنت باصة من الشباك على الشمس وهي طالعة بتنور شقتي الجديدة.. شقتي اللي دفعت إيجارها من تعبي، ومحدش ليه لقمة جمايل عليا فيها.
قولتله بنبرة هادية ومستقرة: "سيف مش محتاج حاجة، سيف معايا بياكل أحسن أكل وعايش في نظافة.. أما بخصوص المعرض والشقة، فدول خلاص بقوا ملك البنك والموردين، يعني ملوش لازمة التنازل بتاعك.. زمان كنت بشتغل 12 ساعة عشان أكبركم، ودلوقتي هشتغل الـ 12 ساعة دول عشان نفسي وعشان ابني بس."
وقبل ما يقفل أو ينطق بكلمة تانية، قولتله جملتي الأخيرة: "ورقت طلاقي توصلي على عنوان المحامي بتاعي في خلال أسبوع.. وإلا القضية الجاية اللي هترفع عليك هتكون نفقة وحبس كمان.. سلام يا.. ابن الأصول."
قفلت السكة، وجمعت ألعابه مع سيف، وبدأنا نجهز عشان نخرج نشتري لبس جديد للمدرسة.. وبقيت متأكدة إن اللي يرضى بالذل عشان "لقمة"